| سيرة سيد الخلق | |
|
|
|
كاتب الموضوع | رسالة |
---|
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق الجمعة 06 يونيو 2014, 12:49 | |
| ولكن .. هل ماتت (خديجة) حقا ؟!
كلا ..
إنها لماثلة في حياة زوجها (صلى الله عليه وسلم).. فما يسير إلا وطيف منها يتبعه .. وما يسري إلا وسنى مشرق منها .. يبدد من حوله حالك الظلمات ..
وستدخل بعدها في حياته (صلى الله عليه وسلم).. نساء ذوات عدد .. لكن مكانها في قلبه وفي دنياه .. سيظل أبدا خالصا لهذه الزوج الأولى .. والحبيبة الرءوم التي انفردت ببيت النبي ربع قرن من الزمان .. لم تشركها فيه أخرى.. ولا لاح في أفقه ظل من شريكة سواها ..
وسوف تفد على هذا البيت بعدها .. أزواج أخريات فيهن ذوات الصبا والجمال والحسب والجاه .. ولكن واحدة منهن لن تستطيع أن تزحزح (خديجة) عن مكانها .. ولن تفلح في ابعاد طيفها الذي أقام أبدا .. يحوم حول الحبيب .. ويستأثر باعزازه ما عاش ..
وستشهد (المدينة) بعد أعوام .. عندما انتصر في (بدر).. يتلقى فداء الأسرى في قريش .. فلا يكاد يلمح قلادة (خديجة) بعثت بها ابنتها (زينب) في فداء زوجها (أبي العاص بن الربيع) حتى يرق قلب البطل الرسول من شجو وحزن.. ويسأل أتباعه الظافرين .. في أن يردوا على (زينب) قلادتها .. ويفكوا أسيرها ..
وسيشهد بيت النبي (عائشة بنت أبي بكر) رضي الله عنها .. في عزة صباها ونظرة شبابها وحبه (صلى الله عليه وسلم) لها .. تشعلها الغيرة من تلك الضرة التي سبقتها في قلب (محمد) .. واستأثرت به وحدها حتى يومها الأخير ..
ففي يوم .. أقبلت (هالة) أخت (خديجة) لزيارة المدينة المنورة .. وسمع صوتها (صلى الله عليه وسلم) في فناء بيته .. وكان يشبه صوت العزيزة الراحلة .. فقال ..
"اللهم هالة!"
فما ملكت (عائشة) نفسها إلا أن قالت..
"ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر .. أبدلك الله خيرا منها"
فتغير وجهه (صلى الله عليه وسلم) .. وقال..
"والله ما أبدلني الله خيرا منها آمنت بي حين كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء"
فأمسكت (عائشة) وهي تقول في نفسها ..
"والله لا أذكرها بعد ذلك"
وكانت قبل ذلك لاتكف عن الحديث عنها ..
وفي يوم آخر .. قالت (عائشة) رضي الله عنها .. له .. (صلى الله عليه وسلم)..
"كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة!"
فرد عليها (صلى الله عليه وسلم) قائلا ..
"....إنها كانت وكانت .. وكان لي منها ولد ..."
وكان (صلى الله عليه وسلم) إذا ذبح الشاة .. يقول ..
"ارسلوا إلى أصدقاء خديجة"
فلما سألته (عائشة) عن ذلك .. قال .. إني لأحب حبيبها ... !
وفي رواية بصحيح مسلم .. "إني قد رُزقت ُ حبها"
وحتى يوم فتح مكة .. وقد مضى على وفاة (خديجة) أكثر من 10 سنين .. حافلة بأجل الأحداث .. اختار (صلى الله عليه وسلم) مكانا .. إلى جوار القبر الذي ثوت فيه زوجته أم المؤمنين الأولى .. ليشرف منه على فتح مكة .. وضُربت له قبة هناك ..
وستدخل في الإسلام من بعد (خديجة) .. ملايين النساء .. لكنها ستظل منفردة دونهن بلقب (المسلمة الأولى) .. التي آثرها الله بالدور الأجل في حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
لقد كانت (خديجة) .. ملء حياته (صلى الله عليه وسلم) حية وميتة..
يقول ابن إسحاق ...
"كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لايسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيبه له .. فيحزنه ذلك .. إلا فرّج الله عنه خديجة رضي الله عنها .. إذ رجع إليها تثبته وتخفف عنه .. وتصدقه وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت رضي الله عنها " | |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق الجمعة 06 يونيو 2014, 12:52 | |
| إسلام حمزة بن عبد المطلب
اعترض (أبا جهل) رسول الله (صلى الله عليه و سلم) عند الصفا .. فآذاه و شتمه و نال منه ما يكره من العيب لدينه .. و التضعيف له .. فلم يرد عليه (صلى الله عليه و سلم)..
وكانت هناك مولاة لـ (عبد الله بن جدعان التيمي) في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك ..
ثم انصرف (أبا جهل) عنه .. فعمد إلى ناد لقريش عند الكعبة فجلس معهم.. و لم يلبث (حمزة بن عبد المطلب) أن أقبل متوشحا قوسه .. راجعا من قنص ...
وكان إذا رجع من قنصه ..لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة.. وكان إذا فعل ذلك لا يمر على ناد من قريش .. إلا وقف و سلم وتحدث معهم ..
وكان (حمزة) أعز قريش وأشدها شكيمة .. وهو يومئذ مشركا على دين قومه..
فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فرجع إلى بيته..
قالت له تلك المرأة ...
"يا أبا عمارة .. لو رأيت ما لقي ابن أخيك من أبي الحكم آنفا قبيل وجده هاهنا فأذاه و شتمه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه.. و لم يكلمه محمد"
فاحتمل (حمزة) الغضب .. لما أراد الله عز و جل به من كرامته .. فخرج سريعا لا يقف على أحد .. معدا لأبي جهل أن يقع به ..
فلما دخل المسجد .. نظر إليه جالسا في القوم .. فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه .. رفع القوس و ضربه بها ضربة شجه بها شجة منكرة ..
وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى (حمزة).. لينصروا (أبا جهل) منه
فقالوا : ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت
قال حمزة : وما يمنعني منه وقد استبان لي منه ذلك .. وأنا أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقول حق .. فوالله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين ..
فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة .. فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا ..
فلما أسلم (حمزة).. عرفت قريش أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قد عز وامتنع.. فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه..
ثم رجع (حمزة) إلى بيته فأتاه الشيطان فقال : أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابي وتركت دين آبائك ... للموت كان خيرا لك مما صنعت ..
فأقبل على حمزة بثه فقال : ما صنعتُ اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا ..
فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان وتزيينه حتى أصبح فغدا على رسول الله (صلى الله عليه و سلم)
فقال : يابن أخي إني وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه وأقامه مثلي على ما لا أدري ما هو.. أ رشد هو أم غي شديد .. فحدثني حديثا فقد اشتهيت يابن أخي أن تحدثني ..
فأقبل رسول الله (صلى الله عليه و سلم).. فذكره ووعظه وخوفه وبشره ..
فألقى الله عز و جل في نفسه الإيمان بما قال (صلى الله عليه و سلم) فقال (حمزة) ... أشهد أنك صادق شهادة الصدق العارف وأظهر يابن أخي دينك .. فوالله ما أحب أن لي ما أظلته السماء وأني على ديني الأول ..
فكان حمزة ممن أعز الله به الدين .. | |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق السبت 07 يونيو 2014, 01:39 | |
| بين النور والظلمات
بدأ الإسلام يفشو بمكة في قبائل قريش .. في الرجال والنساء وقريش تحبس من قدرت على حبسه .. وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين ..
ثم اجتمع عتبة بن ربيعة .. وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب .. والنضر بن الحارث ( بن كلدة ) ..أخو بني عبد الدار وأبو البختري بن هشام .. والأسود بن المطلب بن أسد .. وزمعة بن الأسود .. والوليد بن المغيرة ... وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية .. والعاص بن وائل .. ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان وأمية بن خلف ..أو من اجتمع منهم ..
فاجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة .. ثم قال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه .. فبعثوا إليه فجاءهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سريعا وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء .. وكان عليهم حريصا يحب رشدهم .. ويعز عليه عنتهم ..
حتى إذا جلس إليهم
قالوا له : يا محمد .. إنا قد بعثنا إليك لنكلمك وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء .. وعبت الدين وشتمت الآلهة .. وسفهت الأحلام .. وفرقت الجماعة .. فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك .. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا.. وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا .. فنحن نسودك علينا ... وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا (تابع من الجن) تراه قد غلب عليك فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ..أو نعذر فيك..
فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
"ما بي ما تقولون .. ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي .. ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به .. فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم "
أو كما قال (صلى الله عليه وسلم)..
فقالوا : يا محمد .. فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا.. ولا أقل ماء ..ولا أشد عيشا منا .. فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به .. فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا .. وليبسط لنا بلادنا .. وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ... وليبعث لنا من مضى من آبائنا .. وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب .. فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول : أحق هو أم باطل .. فإن صدقوك وصنعت ما سألناك .. صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله.. وأنه بعثك رسولا كما تقول "
فقال (صلى الله عليه وسلم)..
"ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ..فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى..حتى يحكم الله بيني وبينكم"
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)
قالوا : فإذا لم تفعل هذا لنا .. فخذ لنفسك سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة.. يغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم "
فقال لهم (صلى الله عليه وسلم)
" ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا - أو كما قال - فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم "
(وقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا)
قالوا " فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل"
قال (صلى الله عليه وسلم)..." ذلك إلى الله ، إن شاء أن يفعله بكم فعل"
(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا)
ثم قالوا : يا محمد .. أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به .. ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به .. إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له : الرحمن وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا .. فقد أعذرنا إليك يا محمد .. وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك ، أو تهلكنا"
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
فلما قالوا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وهو ابن عمته فهو لعاتكة بنت عبد المطلب ..
فقال له : يا محمد ...عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم .. ومنزلتك من الله.. فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب .. فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وايم الله .. لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك "
!!!
فانصرف عن رسول الله ..صلى الله عليه وسلم ... ثم مضى (صلى الله عليه وسلم) إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه ..
فلما تركهم (صلى الله عليه وسلم).. قال أبو جهل: يا معشر قريش ... إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا .. وشتم آبائنا .. وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله - أو كما قال - فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم..
قالوا : والله لا نسلمك لشيء أبدا .. فامض لما تريد..
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظره وغدا (صلى الله عليه وسلم) كما كان يغدو وكان (صلى الله عليه وسلم) إذا صلى .. صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود .. وجعل الكعبة بينه وبين الشام..
ولما بدأ (صلى الله عليه وسلم) يصلي .. غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل فلما سجد (صلى الله عليه وسلم) احتمل أبو جهل الحجر .. ثم أقبل نحوه .. حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه .. مرعوبا قد يبست يداه على حجره .. حتى قذف الحجر من يده ..
فقامت إليه رجال قريش .. فقالوا له : ما لك يا أبا الحكم ؟
قال : قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه ..عرض لي دونه فحل من الإبل لا والله ما رأيت مثل هامته .. ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط .. فهم بي أن يأكلني .
وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وينصب له العداوة .. وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس...
فكان إذا جلس (صلى الله عليه وسلم) مجلسا فذكر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله خلّفه في مجلسه إذا قام ثم قال : أنا والله يا معشر قريش .. أحسن حديثا منه .. فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه .. ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار ثم يقول : بماذا محمد أحسن حديثا مني ؟ !!
فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهما : سلاهم عن محمد ..وصفا لهم صفته .. وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول .. وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء..
فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووصفا لهم أمره ..
فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن .. فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل .. وإن لم يفعل فالرجل متقول .. فروا فيه رأيكم .. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم .. فإنه قد كان لهم حديث عجب وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه .. وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه .. فإنه نبي .. وإن لم يفعل .. فهو رجل متقول .. فاصنعوا في أمره ما بدا لكم .
فأقبل النضر بن الحارث .. وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقالا : يا معشر قريش .. قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها .. فإن أخبركم عنها فهو نبي وإن لم يفعل فالرجل متقول .. فروا فيه رأيكم .
فجاءوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالوا : يا محمد.. أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها وأخبرنا عن الروح ما هي؟
فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. " أخبركم بما سألتم عنه غدا" .. ولم يستثن .. (بقوله إن شاء الله) .. ومضى ..
(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)
فمكث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما يذكرون 15 ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا .. ولا يأتيه جبريل .. حتى أرجف أهل مكة
وقالوا : وعدنا محمد غدا .. واليوم خمس عشرة ليلة.. قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ..
وحتى أحزن (صلى الله عليه وسلم) مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ..
ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الله الفتية .. والرجل الطواف.. والروح..
(وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا )
ثم قدم على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)...وهو بمكة 20 رجلا أو قريب من ذلك من النصارى ..حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد .. فجلسوا إليه وكلموه وسألوه .. ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ..
فلما فرغوا من مسألة رسول (صلى الله عليه وسلم) عما أرادوا دعاهم (صلى الله عليه وسلم) إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن.. فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع .. ثم استجابوا لله .. وآمنوا به وصدقوه .. وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ..
(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)
فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش
فقالوا لهم : خيبكم الله من ركب ..بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده .. حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال .. ما نعلم ركبا أحمق منكم ..
فقالوا لهم : سلام عليكم .. لا نجاهلكم .. لنا ما نحن عليه .. ولكم ما أنتم عليه . لم نأل أنفسنا خيرا
وكان (صلى الله عليه وسلم) إذا جلس في المسجد جلس إليه المستضعفون من أصحابه ..خباب وعمار وأبو فكيهة يسار مولى صفوان وصهيب وأشباههم من المسلمين ..
فهزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعض : "هؤلاء أصحابه كما ترون أ هؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق ...لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه وما خصهم الله به دوننا"
(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
وكان العاص بن وائل السهمي.. إذا ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. قال : دعوه .. فإنما هو رجل أبتر لا عقب له .. لو مات لانقطع ذكره واسترحتم منه
فأنزل الله في ذلك ..
(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) | |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| |
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق السبت 07 يونيو 2014, 02:01 | |
| المستضعفون في مكة
لم يكن أمام صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. إزاء تعذيبهم من قبل أهل مكة ..إلا الصبر وتحمل الاضطهاد في سبيل الله .. وكانت هذه هي السمة الواضحة المميزة لهم..
فلم يأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المؤمنين .. بأن يردوا عن أنفسهم ذلك الأمر.. فلقد كان النص صريحا ..
(وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ)
فالمشركون يُعذِّبون ويشرِّدون ويذبِّحون والمسلمون صابرون صامدون.. أُمروا ألاّ يردوا إيذاء ولا يحملوا سلاحا ولا يرفعوا ضيما ولا يكسروا صنما ولا مجرد أن يسبُّوا مشركا..
(وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)
فقد قُتل (ياسر) وقُتلت (سمية) والدا عمار .. رضي الله عنهما .. وكان رسول (صلى الله عليه وسلم) يمر عليهم وهم يعذبون فكان يكتفي بقوله..
"صبرا آل ياسر .. فإن موعدكم الجنة"
ولم يمسك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيد أبي جهل ولم يجمع الصحابة كي يقوموا بثورة في مكة ولم يتربص بأبي جهل ليقتله غدرا ..
والسؤال المهم الآن هو..
كيف تَعَلّم الصحابة الصبر على هذا التعذيب؟!
وما الأسلوب الرباني والهَدْي النبوي ..في جعل الصحابة قادرين على تحمل الأذى؟
وكيف صبروا على الصَّلْب والجَلْد والحرق.. مع أنهم ومثل كل البشر ...جسد وعظم ودم وروح ليس إلا؟!
وكيف نستطيع أن نصبر صبرهم إذا كنا في نفس حالهم وموقفهم؟
وما الوسائل التربوية التي ترتقي بالمؤمن ..لدرجة يستهين فيها تماما بتعذيب المجرمين له؟
كانت الوسيلة هي .. تعظيم قدر الله ..
فإن من عظُم قدر الله في قلبه .. فمن غير الممكن أن يهمّه أي ألم قد يمر به.. فتحدث لهم القرآن ... عن أن الله بيده كل شيء وأنه لو كان سيصيبك بضر فلا بد أن يصيبك ولو اجتمع أهل الأرض آنذاك لحمايتك فلن ينفعوك.. وعلى العكس من ذلك .. فلو أراد الله لك رحمة ..فلا بد أن تحصل لك حتى ولو اجتمع أهل الأرض على أن يمنعوها عنك...
(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
فمن يصدق بهذه الكلمات .. سيعلم أن نصيبه من الألم لن يفوته لأن الله هو الذي أراد أن يقع ذلك الألم..
(وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ)
وقد كتب الله على كل منا نصيبه .. سواءٌ أكان ظالما أم مظلوما.. كافرا أم مؤمنا وإن لم يأخذ نصيبه هذا تعذيبا في سبيل الله فسيأخذه شيئا آخر...مرض أو هَمٍّ أو غيره..
(قَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)
فقد يكون الألم معنويا .. أو ماديا .. كمن أصيب بولد فاشل.. أو مدمن للمخدرات.. أو لص.. أو عاق لوالديه.. أو معدوم التربية والأخلاق.. أو زوجة جعلت حياته ضنكا .. أو زوج جعل حياتها جحيما لا يطاق.. فكل الناس لديهم ألم .. ولكنه متفاوت ..
(إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)
فالمسلم يُبتلى ويعذب كل هذا التعذيب ثم هو يصبر عليه لأنه ينتظر في النهاية جنة ونعيما.. أما الظالم فإنه يعذب في الدنيا وبالطريقة التي أرادها له.. وفوق ذلك فهو ينتظر في آخرته أيضا ...جهنم وعذابًا أليما! ومن هنا فحين يعظم المؤمن قدر الله فإنه لا شك.. ستهون عليه التضحية في سبيله
وأول شيء يجب معرفته لتعظيمه.. هو أن نعلم أن كل شيء بيده وأن كل ما قدره لا بد أن يحدث سواء أكان ميسرة ونعمة ...أم مشقة ونقمة...
(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لاَ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)
(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاَهُمُ الحَقِّ أَلاَ لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ)
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ)
والصحابي الذي يستمع إلى هذه الآيات .. سيعلم أن هذا الإله الذي له هذه الصفات ...يقف بجواره ويبارك خطواته ويرعاه ويحفظه وسيعلم تمام العلم أن ما يحدث للمؤمنين من تعذيب.. إنما هو ثواب .. وأن تأجيل هلكة الكافرين لحكمة... وتأجيل نصرة المؤمنين لحكمة أيضا..
وحين يقرأ الصحابي ..
(وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)
فكيف سيتشعر هذه الآية .. ؟!
وحين يقرأ ...
(يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ)
فمن أبو جهل ؟!!
ومن أمية بن خلف ؟!!
وأي تعذيب يراه .. والخلق كلهم في قبضة الرحمن ؟!
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق السبت 07 يونيو 2014, 02:06 | |
| وحشة
الأيام تمضي ثقيلات الخطو .. مرهقات بأعباء الجهاد والليالي كوالح مسهدات.. مشحونة بالذكريات.. ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. في وحدته بعد (خديجة) رضي الله عنها.. أم العيال وربة البيت .. ووزيره في الإسلام .. والشريكة في الجهاد .. يخلو إلى نفسه كلما أجهده ما يلقى من قومه .. ليسامر طيف التي ملأت دنياه ..
وكان الصحابة يرقبون آثار الحزن على نبيهم (صلى الله عليه وسلم).. فيشفقون عليه من تلك الوحدة .. ويودون لو يتزوج .. لعل في الزواج ما يؤنس وحشته بعد (أم المؤمنين) الراحلة.. لكن .. لم يجرؤ واحد منهم على التحدث إليه في هذا الأمر ..
إلا أن أتت (خولة بنت حكيم السلمية) ذات مساء .. وهي تقول .. يارسول الله .. كأني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة..
فأجاب .. "أجل .. كانت أم العيال وربة البيت"..
فتشاغلت (خولة) بالنظر إلى بعيد .. ثم أقبلت على الرسول .. فاقترحت عليه فجأة أن يتزوج..!
وأطرق (صلى الله عليه وسلم) صامتا .. يصغي إلى وجيب قلبه العامر بذكرى الراحلة .. ويتذكر (نفيسة بنت منية) حين جاءته منذ بضع وعشرين سنة .. تحدثه في الزواج .. وتعرض عليه (خديجة بنت خويلد)..
ثم آب (صلى الله عليه وسلم) إلى محدثته .. سائلا إياها في نبرة عتاب .. "من .. بعد خديجة؟!"
فردت (خولة) على الفور .. كأنما انتظرت هذا السؤال وأعدت له جوابا .. "عائشة .. بنت أحب الناس إليك"..
وتفتح قلبه (صلى الله عليه وسلم) حين ذكر صاحبه .. أول رجل صدقه وآمن به مع ابن عمه علي .. ومولاه زيد ثم وقف إلى جانبه من اللحظة الأولى .. باذلا من ماله ونفسه أغلى ما يبذل أخ وصاحب وصديق..
وذكر الرسول مع (أبو بكر) ابنته عائشة .. تلك الصبية اللطيفة الحلوة .. التي طالما آنسته بمرحها ولطفها .. واستثارت فيه أحلى مشاعر الأبوة ..
ولم يستطع أن يقول لخولة ... لا..
أيرفض بنت أبي بكر ؟! تأبى عليه صحبة طويلة مخلصة .. ومكانة لـ (أبو بكر) عند الرسول لم يظفر بها سواه ..
فقال (صلى الله عليه وسلم).. "لكنها ما تزال صغيرة يا خولة"
قالت (خولة) .. تخطبها اليوم إلى أبيها .. ثم تنتظر حتى تنضج..
لكن ..
من للبيت يرعى شؤونه .. ومن لبنات الرسول يخدمهن ؟!
وهل جاءت (خولة) لتعرض زواجا آجلا .. لن يتم قبل سنتين أو ثلاث ؟! كلا .. لقد جاءت وفي خاطرها أمر آخر .. فحكت له (صلى الله عليه وسلم) .. عن (سودة بنت زمعة) .. وهي ثيّب .. فأذن لها في خطبتهما ..
فمرت (خولة) أولا ببيت (أبو بكر) .. ثم جاءت على بيت (زمعة) .. فدخلت على ابنته (سودة) . وهي تقول .. ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ياسودة؟!
فسألت (سودة) وهي لاتدري مرادها .. وماذا ياخولة؟!
قالت .. أرسلني رسول الله أخطبك عليه !!
وجاهدت (سودة) لتملك نفسها من فرط العجب والدهشة.. ثم قالت في صوت مرتجف .. وددتُ .. أدخلي على أبي فأذكري له ذلك ..
فدخلت (خولة) عليه وهو شيخ كبير .. فحيته بتحية الجاهلية .. ثم قالت .. إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسلني أخطب عليه سودة..
فصاح الشيخ .. كفء كريم .. فماذا تقول صاحبته ؟
أجابته (خولة) .. تحب ذاك ..
فسألتها أن تدعوها إليك .. فلما جاءت تلقاها قائلا.. أي سودة .. زعمت هذه أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب .. أرسل يخطبك .. وهو كفء كريم .. أفتحبين أن أزوجكه؟!
قالت: نعم ..
فأشار الوالد إلى (خولة) .. أن تدعو إليه (صلى الله عليه وسلم) للزواج..
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق السبت 07 يونيو 2014, 02:06 | |
| بيتٌ جديد
وشاع في (مكة) أنه (صلى الله عليه وسلم) .. قد خطب (سودة بنت زمعة) .. فكاد ناس لايصدقون سمعهم .. فما في مثل (سودة) مأرب .. وتساءلوا .. أرملة مسنة .. غير ذات جمال .. تخلف (خديجة) .. سيدة نساء قريش ..!
لكن في الحقيقة .. لن تخلف (سودة) أو سواها (خديجة) .. وإنما تجيء إلى بيته (صلى الله عليه وسلم) جبرا لخاطرها .. وعزاء لها عن زوجها ابن عمها (السكران بن عمرو).. الذي هاجر فيمن هاجر إلى الحبشة .. ثم مات عنها وترك أرملته من بعده .. قد أسلمتها محنة الاغتراب إلى محنة الترمل ..
وذكر (صلى الله عليه وسلم) أولئك الثمانية من بني عامر يخرجون من ديارهم وأموالهم .. ويجوزون القفر المرهوب .. ثم يركبون أهوال البحر .. لينجوا بدينهم من مطاردة آثمة مجنونة .. تحاول أن تردهم قسرا إلى متاهة الضلال والشرك ..
فمن هؤلاء النفر الثمانية .. كان مالك بن زمعة .. (أخو سودة) والسكران بن عمرو .. (زوجها وابن عمها) وسليط وحاطب .. (أخوا السكران) وعبد الله بن سهيل .. (ابن أخي السكران)
وصحبهم ثلاث من الثمانية .. كلهن عامريات .. سودة بنت زمعة .. وأم كلثوم بنت سهيل.. وعمرة بنت الوقدان ..
وهكذا خرجت الأسرة المؤمنة .. برجالها ونساءها .. من دارها ووطنها .. راضية بما هو أقسى من الموت .. في سبيل الله ..
وتمثل الرسول (سودة) وهي تودع أرضا عزيزة .. أزدهر فيها صباها وأطمأنت على أرض كهولتها .. ثم تمضي إلى بلد مجهول .. وناس لا هي منهم ولا هم منها .. لسانهم غير عربي .. ودينهم غير الإسلام ..
وقبل أن تثوب إلى غربتها وتهبط (أم القرى) فاضت روح زوجها (السكران بن عمرو) ولم يمهله الموت ريثما يعود كيما يدفن في مكة ..
وتأثر (صلى الله عليه وسلم) للمهاجرة المؤمنة المترملة ايما تأثر .. فما كادت (خولة بنت حكيم) تذكرها له .. حتى مد يده الرحيمة إليها يسند شيخوختها .. ويهون عليها ما ذاقته من قسوة الحياة ..وهبتُ ليلتي لعائشة !
وأصبحت (سودة) ذات يوم .. فإذا هي زوجة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. وداخلها رهبة من جلال زوجها .. وقاست نفسها إليه (صلى الله عليه وسلم).. ثم إلى (خديجة) الزوجة الأولى .. ثم إلى (عائشة) العروس الصبية المنتظرة .. فأحست كأن الأرض تميد بها من فرط دهشتها وعجبها ..
ولم تخدعها نفسها .. بل أدركت بتجربة سنها .. أن بينها وبين قلب (محمد) .. صلى الله عليه وسلم .. حاجزا لاسبيل إلى اقتحامه..
وعرفت من اللحظة الأولى التي جمعتها بزوجها .. أن (الرسول) هو الذي تزوجها .. لا (الرجل) الذي لم تجرده النبوة من بشريته ..
وأيقنت دون ريب .. أن حظها من الرسول .. بر ورحمة .. لا حب وتآلف وامتزاج ..
لكن ذلك لم يرعها .. بل كان حسبها أن رفعها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى تلك المكانة.. وأن جعل منها (أرملة السكران بن عمرو) أما للمؤمنين .. وأرضاها كل الرضى .. أن تأخذ مكانها في بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. وأن تخدم بناته ..
وكان يسعدها أن تراه (صلى الله عليه وسلم) يضحك من مشيتها.. إذ كانت ثقيلة الجسم .. رضي الله عنها .. وأن يأنس أحيانا إلى خفة روحها .. (صلى الله عليه وسلم)..
قالت له مرة .. صليت ُ خلفك الليلة يارسول الله.. فركعتَ بي حتى أمسكتُ بأنفي مخافة أن يقطر الدم !
فتبسم (صلى الله عليه وسلم).. ضاحكا من قولها ..
وظلت (سودة) تقوم على بيت النبي (صلى الله عليه وسلم).. حتى جاءت (عائشة بنت أبي بكر) .. فأفسحت لها المكان الأول في البيت .. وحرصت على مرضاة العروس الشابة .. وأن تسهر على راحتها ..
ثم وفدت على البيت ازواج أخريات فيهن حفصة بنت عمر .. وزينب بنت جحش .. وأم سلمة بنت أبي المخزومي .. فلم تظهر (سودة) ضيقا .. بهؤلاء اللواتي يستأثرن دونها بعواطف الرسول..
لكنه (صلى الله عليه وسلم) أشفق عليها من الحرمان العاطفي وكره لها قسوة الشعور بأنها ليست مثل الأخريات.. وحاول جهد طاقته أن يفتح لها قلبه .. لكن بشريته لم تطاوعه.. فكان أقصى ما استطاعه لـ (سودة).. أن يعدل بينها وبين نساءه فيما يملك من مبيت ونفقة..
وبدا له آخر الأمر .. أن يسرحها سراحا جميلا .. كي يعفيها من وضع أحس أنه يؤذيها ويجرح قلبها .. وإن لم تبد منها بادرة شكوى أو ضيق ..
فانتظر (صلى الله عليه وسلم) إلى أن جاءت ليلتها .. فأنبأها مترفقا .. بعزمه على طلاقها ..
وسمعت النبأ ذاهلة.. وأحست وكأن الجدران تطبق عليها فلا تدع لها متنفسا .. فقالت .. أمسكني .. ووالله ما بي على الأزواج من حرص.. ولكن أحب أن يبعثني الله يوم القيامة زوجا لك ..
وفجأة .. خطرت في بالها فكرة .. فقالت في هدوء .. أبقني يارسول الله .. وأهب ليلتي لعائشة.. وإني لا أريد ما تريد النساء ..
فتأثر (صلى الله عليه وسلم) لهذا الموقف السمح الكريم .. فهو يأتي (سودة) ليسمعها كلمة الطلاق .. فيكون جوابها هذا الإيثار النبيل .. وهي تتحرى مرضاته..
ولقد عاشت (سودة) في بيت الرسول (صلى الله عليه وسلم).. حتى لحق بربه .. وقيل أنها توفيت في آخر زمن (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه .. رضي الله عنها وأرضاها ...
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق السبت 07 يونيو 2014, 02:08 | |
| بيعة العقبة الأولى
كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحاول قدر إمكانه .. الدعوة إلى الإسلام .. مع كل من يأتي إلى موسم الحج .. أو من المسافرين القادمين إلى مكة ..
فكان منهم .. 6 نفر من الخزرج .. قدموا من يثرب .. فدعاهم إلى الله .. وآمنوا به .. وكانوا على عهدهم مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. فاستطاعوا أن يدخلوا بعض أهل المدينة في الإسلام..
وبعد عام كامل .. والدعوة تأخذ وضعها في البلد الجديد يثرب والوضع متجمد في مكة ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقوم بدعوته مع الوفود الزائرة واضطهاد المؤمنين في مكة ما زال على أشده... وفي موسم الحج ..
جاء 12 رجلا من أهل يثرب .. قد تمكن الإيمان من قلوبهم .. منهم 5 من الستة السابقين و7 من المسلمين الجدد.. التقوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند العقبة ودارت بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مباحثات في غاية الأهمية..
كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيها حريصا على تأسيس النواة الأولى .. التي ستقوم على أكتافها دولة الإسلام..
فإلى الآن .. القرائن تشير إلى أن هذه المدينة الجديدة يثرب قد تصلح لاستقبال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين وذلك لإقامة دولة هناك.. لكن ليس هذا على وجه اليقين .. فمعظم أهل المدينة لم يدخلوا في الإسلام بعد وإن كانوا قد عرفوه..
فأراد (صلى الله عليه وسلم) أن يستوثق من قوة إيمانهم من ناحية وأن يهتم بتعليمهم من ناحية أخرى وأن يحرص على زيادة عددهم من ناحية ثالثة..
فماذا فعل (صلى الله عليه وسلم) ؟
لقد عقد معهم (صلى الله عليه وسلم) عهدا في غاية الأهمية .. عرف في التاريخ باسم بيعة العقبة الأولى أخذها (صلى الله عليه وسلم) على المجموعة المكونة من 12 رجلا من الأنصار و لم يأخذه على الـ 6 الأوائل من عام سبق .. لأنهم كانوا حديثي العهد بفكرة الإيمان أصلا.. ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) علمنا التدرج دائما في كل أموره حتى في تكاليف الإيمان..
فهو الآن يطلب منهم أمورا لم يطلبها منهم من قبل وسيسكت عن أمور سيطلبها منهم فيما بعد ...
وكانت بنود هذه البيعة كما روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان من المشاركين في هذه البيعة الجليلة..
قال..
"كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على بيعة النساء وعرفت بذلك لأنه لم يُفرض فيها حرب ولا جهاد على أن لا نشرك بالله ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فإن وفَّيتم فلكم الجنة وإن غَشِيتُمْ من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم"
ففي هذه البيعة قام فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. بوضع حجر الأساس لبناء الأمة الإسلامية...
ولقد أوتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جوامع الكلم فهذه البيعة قليلة الكلمات .. لكنها تحوي دستورا متكاملا لبناء اللبنة الأساسية ..التي تقوم على أكتافها أمة صالحة..
فمنها .. أن أول شيء ذكره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو القضية الأساسية المحورية في الإسلام أن لا نشرك بالله.. العقيدة الصحيحة... وعبادة الله وحده دون إشراك والتلقي منه وحده دون غيره وتقديمه على كل شيء... هذا هو البند الأول.
البند الثاني والثالث والرابع والخامس في البيعة.. هي بنود ذكرت لأجل هدف واحد وهو الارتفاع بأخلاق هذه الأمة إلى أعلى مستوى.. إذ لا تقوم الأمة على أكتاف من تهاونوا في خُلُق من الأخلاق فإن ضاعت الأخلاق ضاع كل شيء.. ضاعت السياسة وضاع الاقتصاد وضاع الحكم وضاع القضاء ... وضاعت المعاملات وضاعت البلاد والعباد..
بل إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قصر الهدف من بعثته.. على إتمام مكارم الأخلاق.. فقال (صلى الله عليه وسلم)
"إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ"
كذلك نلاحظ.. أن هناك بندا أخذه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الأنصار أن لا يعصوه في معروف وهو في هذا البند يوضح أمرين لا تقوم الأمة بغيرهما..
(1) طاعة الرسول (صلى الله عليه وسلم) والرسول (صلى الله عليه وسلم) مبلغ عن ربه وأوامره إما أن تكون قرآنا وإما أن تكون سنة وكلا الأمرين ملزم للأمة الإسلامية واللبنة التي تقوم على أكتافها الأمة .. لابد أن تحرص على اتباع الرسول (صلى الله عليه وسلم) في كل صغيرة وكبيرة.
(2) الطاعة لا تكون إلا في معروف وبديهي أنه (صلى الله عليه وسلم) لن يأمر إلا بمعروف وكان من الممكن أن يقول: ولا تعصوني فقط ويسكت... ولكنه في هذا المقام يضع أسس بناء الأمة الإسلامية فهذا العهد وهذه البيعة ليست خاصة بزمانهم فقط إنما هي إعداد للأمة في كل أزمانها إلى يوم القيامة... والقائد الذي يقوم في مقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعد موته لا بد أن يطاع.. ولكن لا يطاع إلا في معروف والمعروف هو ما جاء من الله ومن رسوله (صلى الله عليه وسلم).. إذ (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهي قاعدة أصيلة في بناء الأمة الإسلامية...
الأمر الآخر .. يتعلق أيضا بأمر محوري في بناء الأمة الإسلامية..
ما الذي ينتظره الجيل الذي سيبني الأمة الإسلامية أو الذي سيعيد بناءها؟
ما الجزاء؟
ما الثمن؟
أهو المال؟
أهو الرئاسة؟
أهو وضع اجتماعي معين؟
أهو أمن وأمان؟
أهو راحة واستقرار؟
كلا.. إن الجزاء في كلمة واحدة فقط قال (صلى الله عليه وسلم)..
"فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ"
الجنة فقط هي الثمن ولو وضع المسلم أي شيء إلى جوار الجنة ما أفلح لا في بناء الأمة الإسلامية ولا في الآخرة...
الجنة فقط.. أما كل الأثمان الأخرى من مال ورئاسة وأمن وراحة.. فقد تأتي وقد لا تأتي فليست هي القضية وليست هي منتهى أحلام المؤمنين..
(إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)
فقط الجنة.. وهنا يتضح الفارق الهائل بين مجموعة الأنصار التي بايعت هنا وبين قبائل بني شيبان وقبائل بني عامر وغيرها من القبائل .. التي اشترطت شروطًا معينة للإيمان برسول الله (صلى الله عليه وسلم)...
كما أن الجهاد ..اختفى تماما من بنود البيعة فالمجموعة ما زالت جديدة على الإسلام والجهاد أمر عظيم.. وتضحية كبيرة ولا يقدر عليه إلا من قطع شوطا لا بأس به في طريق الإيمان.. فهو كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
"وَذِرْوَةُ سِنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"
كما أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى هذه اللحظة .. لم يكن متأكدا أن الهجرة ستكون إلى هذه البلد فهذا لم يحدث إلا بعد بيعة العقبة الثانية، التي ستتم بعد عام من البيعة الأولى.
وهكذا تمت البيعة المباركة وعاد الأنصار الـ 12 إلى يثرب ليستكملوا دعوتهم ونشاطهم هناك..
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق السبت 07 يونيو 2014, 02:11 | |
| بيعة العقبة الثانية
أرسل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. مع وفد البيعة الأولى .. صاحبه (مصعب بن عمير) أول سفير للإسلام في المدينة المنورة ..
ومهنة (مصعب) وإن كانت علنية في حماية (أسعد بن زرارة) لكن لم يكن كل من يؤمن يعلن إسلامه في هذه المرحلة.. مراعاة لظروف المدينة التي يكثر بها المشركون في ذلك الوقت.. ولوجود اليهود فيها..
ولما حان الموسم في العام الثاني ..خرج وفد يثرب للحج... وكان الوفد مكونا من 300 حاج .. وقيل 500 .. لكن .. منهم 75 من المسلمين .. (73 رجل وامرأتان)..
وهذا الوفد الإسلامي .. لم يكن يعلم بإسلامه أحد .. وخصوصا .. أن رئيس الوفد من يثرب .. كان (عبد الله بن أبي سلول) .. حيث سألته قريش حين وصولهم .. (هل معك من مسلمين؟) .. قال .. لا .. وكان صادقا ..!!
كما يقول الصحابي (كعب بن مالك الأنصاري)..
"كنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا"..
فانظر وتأمل .. إلى دقة وحذر واحتياط المسلمين وهم ليسوا بالعدد القليل...!
وصل وفد يثرب إلى مكة.. واستقروا بها.. وأخذوا يرتبون إقامتهم هناك.. وكانوا في ذات الوقت .. على موعد مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وكان من أولئك الوفد .. صحابي أنصاري .. اسمه (جابر بن عبد الله) رضي الله عنه .. كان يقول لرفقائه المسلمين قبل الخروج من المدينة ..
"حتى متى نترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. يُطرد في جبال مكة ويخاف؟!!"
وهذا يعني أن الأنصار كانوا قد عقدوا العزم .. على استضافته (صلى الله عليه وسلم) وحمايته قبل أن يطلب ذلك منهم.. وهذا يفسر الحمية العظيمة والثبات العجيب الذي سنراه بعد ذلك في بيعة العقبة الثانية.. فالباحث عن الجهاد ..الراغب فيه ..المشتاق إليه .. شيء والمطيع لأمر الجهاد إحراجا أو رغبا أو رهبا ...شيء آخر..
فالأنصار كانوا أنصارا للدين بحق لم يطلبوا لأنفسهم شيئا قطُ.. لذا قال الله عنهم
(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)
وهذه الآية تفسر كل مواقف الأنصار بعد ذلك والتي لن تُفهم مواقف الأنصار إلا في ضوئها...
بعد ذلك .. قام الأنصار بدعوة (البراء بن معرور) رضي الله عنه إلى الإسلام وكان سيدا من سادتهم.. فأسلم ..
والأنصار بذلك يعلمون المسلمين جميعا درسا لا ينسى.. وهو أن الدعوة لا تتوقف مهما صعبت الظروف.. فرغم مشقة السفر ورغم الاحتياط والحذر ورغم أنهم بعيدون عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكن .. لم يتوقف الأنصار عن دعوتهم إلى الله..
وسبحان الله... سيموت (البراء بن معرور) بعد هذا الحدث بأقل من شهرين وشتان بين موته كافرا ..وبين موته أنصاريا مبايعا على الجهاد.. فانظر إلى قيمة الدعوة في حياة الناس...!
الموقف الآخر .. وهو أعجب هو دعوة (عبد الله بن عمرو بن حرام) ..وهو من سادات يثرب إلى الإسلام فقد تمت دعوته في مكة ذاتها وهم يعدون العدة لهذا اللقاء السري المهم والخطير والذي سيتم بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولكن من جديد... لا وجود لكلمة (الظروف) في الدعوة.. نعم نأخذ حذرنا وتتغير استراتيجيتنا.. وقد ونقدم ونؤخر شيئا... لكن الدعوة لا تتوقف..
ولعل اطمئنان الأنصار إلى دعوة (عبد الله بن حرام) ترجع إلى أنه والد (جابر بن عبد الله)..وهو من أوائل من أسلم من الأنصار ولا شك أن (جابرا) قد مهد لأبيه الإسلام قبل ذلك ويعلم أن في قلبه ميلا إليه.. وكان والده رجلا عظيما حقا.. قبل الإسلام ..وبعده .. حين مات شهيدا في غزوة أحد بل أخبر عنه (صلى الله عليه وسلم) كما عند مسلم ..
"أن الملائكة ما زالت تظلله بأجنحتها حتى رفعه المسلمون" ...!
بل حدث معه ما هو أعظم من ذلك بكثير فقد روى الترمذي ..أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال وهو يخاطب جابرًا:
"أَفَلا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟" فَقَالَ جَابِرٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) : "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، تُحْيِينِي، فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ". قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
وتخيَّل..
كيف الحال لو مات (عبد الله بن عمرو بن حرام) على شركه..؟!
وكيف لو لم يصل إليه الأنصار بهذه الدعوة العظيمة؟!
نعود إلى الأنصار في مكة.. فقد أرسلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من رتب معه موعدا .. وكان من الضروري أن يقابلهم (صلى الله عليه وسلم) جميعهم ولا يكتفي بمقابلة النقباء عنهم .. حتى لا يذهب إلى المدينة .. ثم يفاجأ بأن بعض الأنصار غير موافقين على بعض بنود البيعة أو غير موافقين على وجوده (صلى الله عليه وسلم) في المدينة أصلا...
وتم بالفعل تحديد الموعد... وكان موعدًا عجيبا .. يثبت مدى دقة واحتياط رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأخذه بالأسباب إلى آخر مدى..
(1) اختار (صلى الله عليه وسلم) ن يكون اللقاء في آخر ليلة من ليالي الحج وهي ليلة 13 من ذي الحجة ومعنى هذا أن الحجاج سيعودون إلى بلادهم في اليوم التالي مباشرة وبذلك يضيق الفرصة على مشركي قريش في متابعة الوفد الأنصاري أو مراقبته ..
(2) اختار (صلى الله عليه وسلم) أن يكون اللقاء في الثلث الأوسط من الليل وهو وقت يغلب فيه أن يكون جميع الناس في مكة في نوم عميق..
(3) اختار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكانا بعيدا آمنا وهو الشعب الأيمن عند العقبة .. حتى يكون بعيدا عن عيون المراقبين إن كان هناك مستيقظ..
(4) تكتَّم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مره تماما فلم يخبر بهذا اللقاء إلا ثلاثة: عمه العباس بن عبد المطلب لأنه سيكون مشاركا في المباحثات كما سيأتي ورجلين فقط من أهل مكة المؤمنين: أبا بكر .. وعلي (رضي الله عنهما) .. وأرادهما معه لتأمين المكان ..ومراقبة الطرق المؤدية إلى الشعب... ولعله اختارهما بالذات.. لأن رفقة (أبا بكر وعلي) لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) غير مشكوك فيها.. لأنهما كانا معه على أغلب الأوقات ..
(5) أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأنصار بتكتم الأمر .. وقد فعل الأنصار ذلك بنجاح.. يقول (كعب بن مالك) رضي الله عنه.. فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نتسلل تسلل القطا مستخفين ( القطا هو طائر صغير يشبه الحمام).. وكانوا يخرجون رجلا رجلا أو رجلين رجلين.. حتى اكتمل من الأنصار ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان في الشعب..
وجاء رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في موعده ومعه العباس بن عبد المطلب وأبو بكر وعلي.. فأرسل أبا بكر إلى فم الشعب من ناحية وعليًّا إلى فم الشعب من الناحية الأخرى ليعطيا إشارة إلى المسلمين إذا شاهدا حركة مريبة أو مراقبة للمكان...
وتم اللقاء المهيب في هذه البقعة المباركة من أرض مكة والذي كان من نتائجه أن تغيرت خريطة العالم بعد ذلك .. وقامت للإسلام دولة..
وسبحان الله...!
أين كان أعداء الله وقت أن وقع هذا الاجتماع المهيب؟!
وأين كان أبو جهل ..والوليد بن المغيرة ..وعتبة بن ربيعة وأبيّ بن خلف .. وبقية قادة قريش من المشركين؟
وأين كان عبد الله بن أبي بن سلول زعيم مشركي يثرب.. ثم زعيم المنافقين بعد ذلك؟
وأين كان حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف وأحبار اليهود؟
وأين كان كسرى فارس؟
وأين كان هرقل الروم؟
لقد كانوا جميعًا نائمين.. لاهين.. غافلين.. ولكن الله سبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم لا يسهو ولا يغفل يدبر في خفاء.. وفي حكمة.. وفي لطف
(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا)
وبدأت مراسم المباحثات المهمة.. فافتتح المباحثات (العباس) عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. والحق أن موقف العباس كان محيرا فالرجل كان معروفًا بحكمته من ناحية ..وبشجاعته من ناحية أخرى لكن حتى هذه اللحظة .. لم يكن مؤمنا .. وكان وكأنه يقوم بدور (أبي طالب) في حماية ابن أخيه ..
فقال (العباس) كلاما مهما .. يوحي أنه يقف إلى جوار الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقوة وهو توضيح مكانة بني هاشم في مكة.. ليعلم الأنصار أنهم إذا أرادوا أن يبايعوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فعليهم أن يكونوا له في المنعة كأهله وعشيرته.. لذلك .. اختار (صلى الله عليه وسلم) (العباس) لتلك المهمة .. ولم يختر (حمزة) رغم إسلامه ... فتأمل !!!
إضافة إلى ذلك فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يطمئن إلى العباس تماما وكان يعامله كعمه (أبي طالب) ويطلعه على سر من أخطر أسراره على الإطلاق...!
أقام العباس فافتتح المباحثات بهذه الكلمات.. وكانت العرب تسمي أهل المدينة: أوسها وخزرجها ..بالخزرج وهي القبيلة الأكبر في يثرب...
فقال:
"يا معشر الخزرج إن محمدًا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا لمن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه.. ومنعة في بلده وإنه أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفوه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده"
وكان ممكنا من الأنصار .. أن يقولوا .. مثلا ..
أن (محمدا) حاليا في عز ومنعة .. لأنه في جوار (المطعم بن عدي).. ولم يقف بجواره أحد من بني هاشم؟!!
أو أن يقولوا للعباس.. إن كنت تقف إلى جواره.. فلماذا لم تعلن ذلك؟
أو أن يقولوا للعباس.. إنك تقول إنه (صلى الله عليه وسلم) أبى إلا أن ينحاز إلينا.. فهل فعل ذلك وقد عرضتم عليه المنعة؟! أم فعله لأنه أوذي وضرب وظلم ورجم بالحجارة وسب .. وألقي التراب على رأسه ..و رحم الشاة ولم تفعلوا له شيئا؟!
أو أن يقولوا .. أين كنتم وهو (صلى الله عليه وسلم) يدور على القبائل واحدة واحدة وعلى مسمع منكم ومرأى ...يرفضونه الواحدة تلو الأخرى وأنتم صامتون؟
أو أن يقولوا .. أين كنتم عندما كان عمه أبا لهب يسير خلفه وينفر الناس منه.. وهو يقول: لا تصدقوه إنه صابئ كذاب؟!!
كان من الممكن للأنصار ..أن يقولوا كل هذا الكلام وأكثر منه.. لكن الأمر كان مختلفا تماما .. فالمباحثات كانت إيمانية .. وليست سياسية .. ولم يكن يريد الأنصار استغلال الظرف ليحققوا فيه أكبر المصالح ... فلقد جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليكونوا أنصاره وطوع إرادته .. وهم يعلمون أن المنة والفضل لله ولرسوله...
فبماذا ردوا على (العباس) ؟!!!
قالوا له في أدب جم...
"قد سمعنا ما قلت... فتكلم يا رسول الله.. فخذ لنفسك ولربك ما أحببت"
الله الله ...
ولنر .. بماذا أجابهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)...
بنود بيعة العقبة الثانية
لقد كان الموقف حرجا .. الكلمة يجب أن تكون دقيقة وفي مكانها .. فهو (صلى الله عليه وسلم) يقيم دولة .. وليس فردا ..
وهل الأنصار مستعدون لمعاداة العالم أجمع ؟!
ففيما رواه الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
"تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل.. وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقوموا في الله لاتأخذكم في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمتُ إليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم"
فما معنى هذا ؟؟!!!!
كل النقاط مفهومة .. ما عدا النقطة الأولى ..
(السمع والطاعة في النشاط والكسل)
!!!!
فقد يقول قائل .. أن السمع في النشاط مقبول.. لكن السمع في الكسل صعب.. وكان من الممكن أن يقول (صلى الله عليه وسلم) تبايعونني على السمع والطاعة ويسكت لكن الغرض هو توضيح الرؤية تماما.. ليؤخذ قرار حمل الأمانة على بصيرة..
وانتهى البيان القوي العجيب..
وهذه البنود كانت في منتهى الوضوح .. إذ ليس هناك مجال للتراضي أو للتمييع أو لسوء الفهم أو للغموض هذه هي طبيعة الدعوة بكل صراحة وبكل وضوح.. أما أن تحملها هكذا وأما أن لا تحملها ..
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)
وشتان بين ما طلبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بيعة العقبة الأولى وما طلبه من الأنصار في بيعة العقبة الثانية..
ففي الأولى ..كان (صلى الله عليه وسلم) يبني فردا مسلما مؤمنا.. وبأخلاق فاضلة .. أما في الثانية .. فهناك عداء علني .. وصبر .. تحتاج لمن باع نفسه وماله ووقته وجهده وحياته كلها لله.. فالأخلاق ليست كافية ..
وإلا .. فأين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟
أين الإصلاح الاجتماعي ؟!!
أين الدفاع عن حرمات المسلمين ؟!
ولقد ألقى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيانه .. وهو في انتظار رد الأنصار..
وكان الوفد برئاسة (البراء بن معرور) رضي الله عنه .. وهو لم يسلم إلا منذ أيام قلائل.. ولكنه سيد القوم ..
فماذا قال (البراء بن معرور) ؟!!
لقد قال ردا .. وكأنه قد قضى في محاضن التربية الإسلامية سنوات وسنوات .. لكن هذا غير مستغرب.. من طبيعة الأنصار ..
لقد قام (البراء بن معرور) رضي الله عنه .. وآخذ بيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)...(كما جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله).. وقال..
"والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (أي نساءنا) فبايعنا يا رسول الله.. فنحن والله أبناء الحرب.. وأبناء الحلقة.. ورثناها كابرا عن كابر"
!!!!!!!!
ونلاحظ هنا .. اشتياق الأنصار إلى البيعة فهم لا ينظرون إليها على أنها تكليف خطير ولكن تشريف وتمجيد ورفعة...
فهل انتهى كلام الأنصار في تصريح (البراء) ؟!!
لا ..
فلقد قاطعه رجل آخر عظيم من الأنصار ..(أبو الهيثم بن التيهان).. و وجه خطابا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).. فقال..
"يا رسول الله.. إن بيننا وبين الرجال (يعني اليهود في المدينة) حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيتَ إن نحن فعلنا ذلك ..ثم أظهرك الله .. أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟"
!!!!!!!!!!!!
هذا كلام في منتهى الخطورة..
فهذه مباحثات ...وليست أوامر من اتجاه واحد والجندي قد يعرض رأيه من زاوية أخرى.. وعلى القائد أن يستمع إليه ...
كما أن موقف الأنصار خطير فعلا فهم على معاهدات مع اليهود وقطع هذه المعاهدات سيكلفهم ثمنا باهضا .. خاصة وأن اليهود يحيطون بالمدينة المنورة .. واليهود من أهل الحروب وصناع السلاح وأصحاب قوة اقتصادية هائلة..
فماذا سيحدث ..لو ترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأنصار.. بعد انتصاره على مكة في يوم من الأيام؟!!
وقد يقول قائل.. إن هذا الاعتراض فيه تعدي على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأنه يفترض حدوث أمر هو ليس من الأمور الطيبة.. ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يأتي منه إلا طيب..
ولكن سبحان الله... إن هذا الاعتراض يزيد من قوة الميثاق ويزيد من قيمة البيعة.. وهو بمنزلة التوثيق لكل بند من بنودها...
وإذا كان (أبو الهيثم بن التيهان) رضي الله عنه.. متأكدا من أنه (صلى الله عليه وسلم) سيبقى معهم فمن أدراه أن هناك رجالا من الأنصار .. وهم مشاركين في البيعة .. لكن في نفوسهم قلق من اليهود ؟!! فإثارته لهذه النقطة .. سيغلق بها كل أبواب الشيطان على نفوس الأنصار..
وتأمل .. كيف أنه (صلى الله عليه وسلم) بصدره الرحب وفقهه الواسع .. يقرأ كل هذه الأفكار ..ويقدر كل هذه المشاعر...
فماذا فعل إزاء هذا الاعتراض..؟
أتراه قيد هذه الحرية؟!
أتراه قال.. إن في هذا تطاولا على القيادة؟!
أتراه قال.. كيف لا تحسن الظن يا أبا الهيثم في قولي وفعلي وأنا من أنا؟!
أبدًا..
إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ...تبسّم!..
ماذا ... هل أنت جاد ؟!!
أي والله ... لقد تبسم (صلى الله عليه وسلم)..
ثم قال ..
"بل الدم الدم .. والهدم الهدم .. أنا منكم وأنتم مني .. أحارب من حاربكم .. وأسالم من سالمكم"
فهل نقص من قدر القيادة شيء .. عندما اعترض أحد الجنود على نقطة ما يريد توضيحها؟!
أبدا..
فالقيادة الواثقة من نفسها لا يجب أن تغضب لهذا.. بل تشجعه حتى يخرج كل الجنود ما في صدورهم فيقفوا إلى جانب القادة وهم يشعرون بأنهم معها وهي معهم..
أو كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
"أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي"
والرسول (صلى الله عليه وسلم) يقرر في كلامه هذا .. قاعدتين أصيلتين في بناء الأمم..
الأولى .. هي أن كل إنسان (أي إنسان) قابل للمناقشة وللحساب .. وللاستجواب ولعرض الرأي وللمعارضة.. لأنه في النهاية بشر والبشر قد يخطئون.. بل لا بد أن يخطئوا.. إلا الذين عصمهم الله وهم الأنبياء..
الثانية.. هي أنه إذا شعر الجندي أن القائد معه في الخندق يعاني مما يعاني منه ويشكو مما يشكو منه ويتألم منه فإن الجندي يبذل أقصى وسعه لخدمة القضية .. التي من أجلها جلس هو والقائد في خندق واحد..!!
أما إذا شعر الجندي باستعلاء القائد وتكبره وسعادته وقت حزن الجنود وترفه وقت بؤس الجنود وأمنه وقت خوف الجنود وشبعه وقت جوع الجنود وراحته وقت تعب الجنود.. فسيفقد كل حماسة لخدمة القضية التي من أجلها وقف وحيدًا في خندقه يصبح جسدا بلا روح و لو واتته الفرصة لينكص على عقبيه ..لفعل بل قد يغدق الأموال ويدفع الرشاوي حتى يهرب من الجندية ..
لماذا؟
لأنه فقد مصداقية القائد... وفقد قدوة القائد...
لذا ..فعندما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه الكلمات نزلت بردا وسلاما على الأنصار فقاموا يبايعون وهم مطمئنون..
لكن ....حدث أمر عجيب !!
لقد قام رجل من الأنصار .. (العباس بن عبادة بن نضلة الخزرجي) وهو من رجال بيعة العقبة الأولى ومن السابقين.. قام ليخاطب قومه.. وكأنه يريد أن ينبه الناس لخطورة ما هم يقدمون عليه..
فقال.. رضي الله عنه.." هل تدرون علامَ تبايعون هذا الرجل؟"
قالوا... نعم ..!
فقال (العباس بن عبادة) رضي الله عنه ..
"إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس (أي كل الناس) فإن كنتم ترون أنكم إذا نُهِكَت أموالكم مصيبةً وأشرافُكم قتلا أسلمتموه.. فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكَة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة"
وسمع الأنصار هذه الكلمات من (العباس بن عبادة).. فزادتهم قوة إلى قوتهم وإيمانا إلى إيمانهم وقالوا في إصرار... " فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف"..
ثم نظر الأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسألونه عن الثمن..
ما هو الثمن لمصيبة الأموال .. وقتل الأشراف؟؟
ما هو الثمن للطاعة المطلقة لله ولرسوله في النشاط والكسل؟
ماهو الثمن للنفقة في العسر واليسر؟
ماهو الثمن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
ماهو الثمن للقيام لله دون أن تأخذهم فيه لومة لائم؟
ماهو الثمن لنصرته وحمايته مما يحمون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم؟
ماهو الثمن لحرب الأحمر والأسود من الناس؟
فقالوا.. فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفّينا بذلك؟
قال... " الجنة" ..
سبحان الله ...!!
كل هذه التضحيات التي لاتعد ولاتحصى .. وثمنها واحد فقط ... "الجنة" ...!!
لا دولة .. ولا حُكم .. ولا إمارة .. ولا قصور .. ولا بساتين .. ولا أراضي .. !!!
فلما سمع الأنصار الثمن.. ازدادوا حماسة... وطارت قلوبهم إلى الجنة ..
فقالوا في صوت واحد... "ابسط يدك يا رسول الله"...
فبسط يده (صلى الله عليه وسلم)... فقاموا يريدون المبايعة..
لكن ... اعترضهم أنصاري آخر .. (أسعد بن زرارة) رضي الله عنه.. فأمسك يد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبعدها عن أيديهم..
ثم قال.. "رويدا يا أهل يثرب.. إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله...! وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تَعضكم السيوف فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله"
أنظر الإحساس بالمسؤولية ...!!
فـ (أسعد) يحذرهم أن يتسرعوا احسبوا خطواتكم فالفرار من الزحف أمر خطير والتخلي عن نصرة الدين أمر شنيع علما أن (أسعد) ... هو أصغرهم سنا !!!!
لكن الأنصار كانت أنفسهم قد حلقت بعيدا .. في رضوان الله .. فقالوا له .. يا أسعد.. أمط عنا يدك (أبعد عنا يدك).. فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها..
فقاموا إليه رجلا رجلا .. فأخذ عليهم (صلى الله عليه وسلم) البيعة .. يعطيهم بذلك الجنة... حتى المرأتان اللتان شاركتا معهم .. بايعتا رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. ولكن البيعة لهما كانت مشافهة بالكلام فما صافح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) امرأة أجنبية قط..
وهكذا تمت البيعة الخالدة، البيعة التي غيرت من وجه الأرض ومن يومها والأنصار يعرفون بالأنصار وأصبح اسما ملاصقا لهم.. فجاء الأنصار .. ذهب الأنصار قام الأنصار. قعد الأنصار هكذا أصبحوا أنصار الله.. وأنصار رسوله (صلى الله عليه وسلم).. وأنصار هذا الدين.. والثمن الجنة...
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق السبت 07 يونيو 2014, 02:14 | |
| الرحلة إلى الطائف
فكَر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يخرج بدعوته خارج مكة وهذه مرحلة جديدة من مراحل الدعوة يعلمنا فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منهجا يناسبها.. فإذا أغلقت أبواب الدعوة في بلد ..فلتذهب إلى بلد آخر والمسلم لا يجلس ضعيفا يقول...قدر الله وما شاء فعل..
لكن .. لماذا اختار رسول الله الطائف؟
في الحقيقة .. لم يكن الاختيار عشوائيا.. بل مدروسا.. ولعدة أسباب..
(1) تعتبر الطائف هي المدينة الثانية في الجزيرة العربية بعد مكة ومركزًا حيويا مهمًّا من مراكز الكثافة السكانية والتجارة ولها مكانة في قلوب العرب.. حتى إن المشركين كانوا يقولون..
(وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)
والقريتان هما مكة والطائف...
(2) يسكن في الطائف قبيلة ثقيف وهي من أقوى القبائل العربية المشهورة بقوة جيشها وكثرة عددها وقد بلغ من قوة ثقيف ..أنها القبيلة الوحيدة التي استعصى على المسلمين دخول بلدها عنوة حتى جاء أهلها بعد ذلك.. مسلمين طوعا...
(3) المنافسة الدينية بين مكة والطائف كبيرة فمكة وإن كان بها البيت الحرام.. وبها الصنم الذي كان يقدسه كثير من العرب وهو هُبُل فإن الطائف كان بها صنم آخر من أهم أصنام العرب وهو اللات وكثيرا ما كان يقسم به العرب على اختلاف قبائلهم.. أما صنم العزى فكان في وادي نخلة على مقربة من الطائف..
(4) الطائف قريبة نسبيا من مكة..والمسافة حوالي 100 كيلو متر والرسول (صلى الله عليه وسلم) لا يريد أن يبعد كثيرا عن مركزه الأول.. الذي تعيش فيه طائفة كبيرة من المؤمنين.. فالتعاون والتنسيق بين المركزين سيكون أسهل لو كانت المسافة قريبة.. خصوصا مع صعوبة المواصلات..
(5) كان لأغنياء قريش ..أملاك في الطائف خاصة بني هاشم وبني عبد شمس وكذلك بني مخزوم فلو دخلت الطائف في الإسلام ..لكان ذلك ضربة اقتصادية موجعة لقريش..
وقرر (صلى الله عليه وسلم) أن يذهب إلى الطائف .. مشيا على الأقدام .. في حرارة الصيف الملتهبة .. لمسافة 100 كم ...
لكن .. لماذا يمشي (صلى الله عليه وسلم) على قدميه هذه المسافة الطويلة جدا؟
أما كان يعجزه أن يوفر دابة لمسعاه؟!
في الحقيقة .. أنه (صلى الله عليه وسلم) لم يرد لفت الأنظار إليه ولو رآه أحد المشركين يركب دابة لشك في سفره إلى مكان ما ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) ممنوع من السفر لئلا يقوم بنشر الدعوة خارج مكة..
كما أنه (صلى الله عليه وسلم) لم يأخذ معه أحد من الصحابة لحمايته .. ولم يأخذ فارسا منهم ليكون له سندا.. ولا حتى رفيقه (أبو بكر) .. لكنه أخذ معه غلامه (زيد بن حارثة) .. وكان قد أعتقه وتبناه وأطلق عليه زيد بن محمد.. فرؤية زيد مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غير مستغربة..
وفي الوقت نفسه ..فـ (زيد) يحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حبا شديدا ويستطيع خدمته وحمايته والتضحية من أجله وقد ظهر ذلك بوضوح بعد زيارة الطائف وما حدث فيها.. مع أن (زيد) هنا لم يكن صغيرا .. بل كان يبلغ من العمر 40 عاما .. فالغلام هنا بمعنى الخادم .. وليس بمعنى غلاما صغيرا ..
وكان من الممكن أن يطير رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الطائف بمعجزة ولكنها التربية يا أخوان .. التربية ..
وصل (صلى الله عليه وسلم) إلى الطائف ووقف على أعتابها يفكر...
إلى من يذهب هناك؟
ومن يدعو؟
فالموقف مع قريش أصبح حرجا للغاية ولأنه سيطلب النصرة فلا بد أن يذهب إلى سادة ذلك المكان فإن الضعفاء لن يجيروه من قريش.. وهذا ليس هذا تقليلا من دور الضعفاء.. ولكن القضية الآن سياسية وإيمانية ..
ثم إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليس من الطائف ..وليست له إجارة هناك وبدون دخول المدينة من بابها الرئيسي فلن يتمكن (صلى الله عليه وسلم).. من دعوة كبير ولا صغير ولا عزيز ولا ذليل..
لذلك فكر (صلى الله عليه وسلم) في أن يذهب إلى قيادة الطائف مباشرة وهي قيادة مزدوجة لقبيلتين... قبيلة بني مالك وهي القبيلة الأصلية في الطائف والمتمركزة فيها منذ زمن وقبيلة بني عمرو المتحالفة معها ... ولأنهما ضعيفتان نسبيا.. فقررت قبيلة بني مالك التعاقد مع قبيلة هوازن خارج ثقيف .. وتعاقدت قبيلة بني عمرو مع قريش.. ولم يكن هذا التحالف قائما على الحب والتعاون .. بل من أجل اتقاء الشر والخوف من إغارة إحدى هذه القبائل عليهم..
والآن نقف وقفة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. نحلل معه الوضع الحرج...!
فلو ذهب (صلى الله عليه وسلم) إلى بني مالك .. فسيقولون (نحتاج رأي هوازن) وهوازن .. ليس فيها مسلمين بعد .. وإن ذهب إلى بني عمرو .. فسيرفضون بذريعة تحالفهم مع قريش..!
لكن يبقى المرشح الوحيد هنا .. هي قبيلة (بنو عمرو) .. لأنها إذ وجدت فرصة لإحداث انقسام في قريش ..فقد تأمن جانبها إلى الأبد.. فهذا رجل من ورائه بنو هاشم وبنو المطلب.. ولا شك أن له أتباعا في بقية بطون قريش.. فلو آزرته تلك القبيلة .. لانقسمت قريش بين مؤيد ومعارض.. لذلك .. قرر (صلى الله عليه وسلم) الذهاب إليهم ..
ونحن نتعجب .. من هؤلاء الذين ينادون بفصل الدين عن السياسة من أين جاءوا بهذا الكلام؟! فهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يمارس السياسة في أعظم صورها.. إلا إذا كنا نتحدث عن سياسة الغدر والكذب والنفاق والتجمل الكاذب...
الآن ..
اتجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى ثلاثة من أبناء عمرو بن عمير .. وعرفهم بنفسه وبدأ يدعوهم بدعاية الإسلام ويعرفهم بدين الله.. ثم يطلب منهم النصرة له وللإسلام وللمؤمنين بمكة..
كان الثلاثة هم: عبد ياليل ..ومسعود وحبيب أولاد عمرو بن عمير.. وكانوا سادة من سادات الطائف وأوضاعهم مستقرة إلى حد كبير فجاء هذا العرض منه (صلى الله عليه وسلم) .. ليطلب منهم أن يغيروا دينهم ويتركوا عبادة اللات إلى عبادة الله ..
ليس هذا فقط .. بل إن دخولهم في هذا الدين هو بمنزلة إعلان الحرب على قريش.. ومن الواضح أن هذا القرار الذي يطلبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. يحتاج إلى رجل حكيم.. جريء.. ثاقب النظر.. عميق الفكر.. ولكن يبدو أن هذه الصفات كانت بعيدة كل البعد عن أولاد عمرو بن عمير.. لأنهم ما أن سمعوا هذا العرض ... حتى جزعوا وفزعوا وبدءوا يتكلمون بكلام هو أشبه ما يكون بالهذيان لا يمتّ للحكمة بصلة من قريب ولا بعيد...
إذ قال عبد ياليل بن عمرو.. إنه سيمرط (أي سيمزق) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك!
أما مسعود فقال... أما وجد الله أحدًا غيرك.!!
وأما الثالث حبيب ..فقال وهو يصطنع الذكاء مع شدة غبائه.. والله لا أكلمك أبدا.. إن كنت رسولا لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك...!!!
وهكذا عميت أبصار رجال الطائف عن الدعوة الواضحة النقية وفشلت المفاوضات سريعا.. وتلقى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ضربة محزنة جديدة لكها لم تفقده دقة التفكير ولا رجاحة العقل.. فرد عليهم سريعا .. "إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني"
ومن الواضح أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحذر من أن يصل الخبر إلى قريش.. لأنه لو وصل فسيُتَّهم صراحة بتهمة التخابر مع قبيلة أجنبية ومحاولة زعزعة نظام الحكم في مكة.. وإثارة الفتنة...
ولقد مكثت (صلى الله عليه وسلم) في الطائف 10 أيام .. لايدع أحدا من أشرافهم إلا كلمه .. ولكنهم رفضوا جميعا .. بل غرروا به سفهاءهم وغلمانهم يسبونه ويصيحون به .. (صلى الله عليه وسلم)..
ثم قالوا له في اليوم العاشر .. "أخرج من بلادنا" ...!
فضربوه و (زيدا) بالحجارة .. حتى سالت الدماء من قدمه (صلى الله عليه وسلم).. وشُجّت رأس (زيد بن حارثة) .. رضي الله عنه ..
وانطلق (صلى الله عليه وسلم) ومعه (زيد).. يعدوان بعيدا عن المدينة.. والسفهاء وراءهما بالسباب والحجارة حتى أرغموهما على دخول حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة..
فدعا (صلى الله عليه وسلم) دعاءه الحزين المشهور ..
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ تَكُنْ غَضْبَانَ عَلَيَّ فَلا أُبَالِي.. غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ.. وَصَلحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ أَوْ يَحُلُّ بِي سَخَطُكَ.. لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى.. وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ»
ثم أنطلق (صلى الله عليه وسلم) إلى مكة وهو لا يدري كيف سيدخلها فيقول ..
"فانطلقت وأنا مهموم على وجهي .. فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب"
تصور حاله .. (صلى الله عليه وسلم).. إنه ينطلق ولا يكاد يرى شيئا أمامه من الحزن.. بل كأنه في شبه إغماءة.. (لم استفق).. وقرن الثعالب تبعد عن الطائف حوالي 35 كيلو مترا..!!
لكن .. ماذا حصل في هذا الموقف العصيب ...؟؟
يقول (صلى الله عليه وسلم) ...
"فرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ». فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»
!!
إن لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) مهمة أصيلة واضحة.. وهي استنقاذ الناس من الجحيم.. والناس لا تدري.. وتتجه إلى هاويتها مُسرِعة.. وهو (صلى الله عليه وسلم) أشد حرصًا عليهم من أنفسهم..
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| |
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| |
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق السبت 07 يونيو 2014, 02:34 | |
| الصهر الكريم
نبتدأ هذه الحكاية .. بحديث أخرجه مسلم ..
"إن أمَنّ الناس علي في ماله وصحبته .. أبو بكر ولو كنتُ متخذا خليلا .. لأتخذت أبا بكر خليلا .. ولكن أخوة الإسلام"
فعندما ذكرت (خولة بنت حكيم السلمية) للرسول (صلى الله عليه وسلم).. اسم (عائشة بنت أبي بكر) .. تفتح قلبه لصلة تؤيد مابينه ..وبين أحب الناس إليه من صحبة وقربى ..
ولقد دخلت (خولة) لدار (أبي بكر) .. فوجدت أم رومان (أم عائشة) .. فقالت لها ..
"أي أم رومان .. ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة!"
قالت... وما ذاك ؟
قالت (خولة) .. أرسلني رسول الله أخطب له عائشة !
أجابت .. وددتُ .. انتظري أبا بكر فإنه آت ..
وجاء (أبو بكر).. فقالت له (خولة).. يا أبا بكر .. ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ! أرسلني رسول الله أخطب له عائشة ..
قال (أبو بكر) .. وهل تصلح له؟..إنما هي ابنة أخيه ..
فرجعت (خولة) إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. واخبرته بذلك .. فقال .. "ارجعي إليه فقولي.. أنت أخي في الإٍسلام وأنا أخوك .. وابنتك تصلح لي"
فعادت (خولة) إلى دار (أبي بكر) .. وذكرت له ذلك .. فقال لها .. انتظريني حتى أرجع ..
وكانت المشكلة .. أن (المطعم بن عدي) ... ذكر (عائشة) على ابنه (جبير) .. وكان (أبو بكر) يخشى من أن يخلف للناس وعده ..
فدخل (أبو بكر) على (مطعم) وعنده امرأته (أم جبير) .. وكانت مشركة .. فقالت لأبو بكر .. يا ابن أبي قحافة .. لعلنا إن زوجنا ابننا ابنتك .. أن تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه ؟!
فلم يرد عليها (أبو بكر) .. بل التفت إلى زوجها فقال له .. ما تقول هذه ؟!
قال (مطعم) .. إنها تقول ذلك الذي سمعت !!!
فخرج (أبو بكر) وقد شعر بارتياح لما أحلّه الله من وعده.. وعاد إلى بيته .. فقال لخولة .. ادعي لي رسول الله ..
(هنا وقفة.. لو خطب ابن حاكم الدولة ابنتك .. هل ستقول له .. انتظر دقيقة لأني قد أعطيت كلمة للناس..أم ستداهن وتبيع له البنت ؟! وخلي بالك .. نحن نتكلم عن حاكم من الحكام .. وليس عن سيد الناس أجمعين .. فأي خلُقٍ من البر والوفاء .. كان يحمل أبو بكر .. رضي الله عنه ؟!!!
ثم لنتصور .. ان (أبا بكر) قد زوج ابنته لـ (جبير) .. وفاءا بالعهد .. فأي قلبٍ يحمله (صلى الله عليه وسلم) .. دون غضب أو حتى معاتبة .. كون صديقه لم يجامله ؟!!!)
فمضت (خولة) إليه (صلى الله عليه وسلم).. فدعته .. فجاء بيت صديقه (أبو بكر) .. فأنكحه (عائشة) وهي يومئذ بنت 6 سنين أو سبع .. وكان صداقها .. 500 درهم ...
وعُرف قوم (عائشة) .. بنو تيم .. بالكرم والشجاعة والأمانة وسداد الرأي.. كما كانوا مضرب المثل في البر بنسائهم .. والرفق بهن وحسن معاملتهن ..
وكان لأبيها إلى جانب هذا الميراث الطيب .. شهرة ذائعة في دماثة الخلق وحسن العشرة ولين الجانب ..
وأجمع مؤرخو الإسلام .. على أنه كان أنسب قريش لقريش .. وأعلم الناس بها وبما كان فيها من خير وشر .. وكان رجلا تاجرا ذا خلق معروف .. يأتيه رجال قومه ويألفونه لأحد أمرين .. علمه وخبرته .. وحسن مجالسته ..
فلما بُعث (صلى الله عليه وسلم).. أضاف (أبو بكر) إلى هذا كله .. شرف السبق في الإسلام .. وكان المناضل عنه بكل ما يملك .. الداعي إله في شجاعة وحماسة .. فأسلم على يديه عثمان .. والزبير ..وعبد الرحمن بن عوف .. وسعد بن أبي وقاص.. وطلحة بن عبيد الله .. وهم من العشرة المبشرين بالجنة .. رضي الله عنهم..
وقال فيه (صلى الله عليه وسلم)..
"ما دعوت ُ أحدا إلى الإسلام .. إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر بن قحافة .. ما عكم (أي ماتلبث) .. حين ذكرته له وماتردد فيه"
وقال (صلى الله عليه وسلم)..
"ما نفعني مال قط .. ما نفعنا مال أبي بكر"
فبكى (أبو بكر) وقال .. يارسول الله .. وهل أنا ومالي إلا لك ؟!
أما (أم رومان) زوجته .. فهي من الصحابيات الجليلات كانت قد تزوجت في الجاهلية من (عبد الله بن الحارث) فولدت له الطفيل.. ثم توفي عنها فخلف عليها (أبو بكر) فولدت له (عائشة وعبد الرحمن).. ثم توفيت في حياة الرسول بعد حادثة الإفك .. فنزل (صلى الله عليه وسلم) في قبرها واستغفر لها .. وقال..
"اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك"
وقال ..
"من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين .. فلينظر إلى أم رومان"
كان يكفي (عائشة) ..أن تكون بنت (أبي بكر) ليُنزلها زوجها (صلى الله عليه وسلم) من قلبه .. ومن بيته في أعز مكان.. لكنها كانت إلى جانب هذه البنوة ..ذات لطف وذكاء لمّاح ..
فقد ولدت بمكة قبل الإسلام .. بعد 4 أو 5 سنين من البعثة .. وأسلمت قبل أن تشب عن الطوق .. هي وأختها أسماء .. وكان المسلمين يومئذ .. قلة معدودة ..
وعرفها (صلى الله عليه وسلم) منذ طفولتها الباكرة .. وأنزلها من نفسه أعز ما تنزل ابنة غالية .. وشاهدها تنمو أمام عينيه .. مع فصاحة في اللسان .. وشجاعة في القلب .. إذ تولى حضانتها جماعة من بني مخزوم ..
وكان (صلى الله عليه وسلم) يقول لأمها (أم رومان) ..
"يا أم رومان .. استوصي بعائشة خيرا واحفظيني فيها"
فإذا رآها يوما غاضبة .. وقف في صفها وخاطب أمها .. في عتاب رقيق قائلا .. "يا أم رومان .. ألم أوصكِ بعائشة أن تحفظيني فيها؟!"
ولم تندهش مكة .. حين أعلن نبأ المصاهرة بين أعز صاحبين .. وأوفى صديقين .. بل استقبلته كما تستقبل أمرا طبيعيا ومتوقعا ..
ولم يجد أي رجل من أعداء الإسلام لأنفسهم .. موضع مقال .. ولم يدر بخلد أحد من الخصوم .. أن يتخذ من زواج (محمد وعائشة).. مطعنا أو منفذا للتجريح والاتهام .. مع أنهم كانوا لايتناوون عن ذلك حينما تجدّ لهم فرصة ..
وماذا عساهم أن يقولوا .... ؟!
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق السبت 07 يونيو 2014, 02:40 | |
| الأنصار بعد بيعة العقبة الثانية
أ تدرون .. أن قرابة الـ 70 من أولئك الأنصار .. الذين بايعو في العقبة الثانية.. قد اشترك في غزوة بدر الكبرى ؟!
أ تدرون أنه حوالي نصف العدد ... قد اشترك مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) في كل المشاهد والغزوات؟!
أ تدرون أنه حوالي الثلث منهم .. مات شهيدا في سبيل الله؟!
أ تدرون أنه لم يُؤْثَر عن أي واحد من هؤلاء الفرار .. لا في (أُحُد) ...ولا في (حُنَين ) ..ولا في غيرهما ؟!
أ تدرون أنه لم يؤثر عن أي واحد من هؤلاء .. طلب للدنيا ولا للإمارة ولا للمال ؟!
أ تدرون أنه عندما وزع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. الأموال الكثيرة على المسلمين في حُنين ..وخاصة المؤلفة قلوبهم ثم لم يأخذ الأنصار شيئا.. قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
"ألا ترضون يا معشر الأنصار.. أن يذهب الناس بالشاة والبعير .. وترجعوا برسول الله إلى رحالكم"
فبكوا حتى اخضلت لحاهم .. وقالوا.. رضينا برسول الله قسما وحظا..
لكن هل يأتي زمان ..لا تكون فيه حرب بين الحق والباطل؟!
كلا... لا يمكن..
فهي سنة ماضية من سنن الله ... لذلك ..لم يمر الأمر دون تنغيص ودون خطورة.. فلقد اكتشف بيعة العقبة الثانية .. شيطان حقيقي !!
إذ روى ذلك الإمام أحمد عن كعب بن مالك (رضي الله عنه).. وهو ممن شهد العقبة... قال ..
"لَمَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَبْعَدِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ (أي المنازل).. هَلْ لَكُمْ فِي مُذمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ، قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ؟!"
و(مُذمّم) .. هو لقب اطلقه الكفار والمشركين على محمد رسول الله ..صلى الله عليه وسلم ..
ورغم أنه (صلى الله عليه وسلم) قد أخذ كل حذر ممكن .. لتأمين مكان المباحثات.. لكن شاء الله .. أن يوجد هذا الشيطان وكان الله يستطيع أن يصرفه عن هذا المكان في هذا التوقيت .. لكنه سبحانه لم يفعل ... !
لماذا ؟!
الحكمة الكاملة لا يعلمها إلا الله .. لكن هناك بعض العبر من ذلك الموقف .. وهي ..
أنه لما صرخ الشيطان بهذا الصوت لينبه أهل مكة النائمون .. بما يفعله رسول الله وأصحابه .. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
"هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ -أي شيطان العقبة- هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ اسْمَعْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ لأَفْرُغَنَّ لَكَ"
ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. علم أن قريشا ستأتي بعد قليل إلى هذا المكان..
فقال للأنصار بسرعة... "ارْفَعُوا إلى رِحَالِكُمْ"...
يريد لهم العودة إلى خيامهم حتى لا يُكشف أمرهم..
لكن .. قام له صحابي جليل هو (العباس بن عبادة) رضي الله عنه.. وقال قولا رائعا ..يدل على مدى صدقه وتضحيته وتجرده..
قال.. والذي بعثك بالحق.. لئن شئت لنميلَنَّ على أهل مِنًى غدا بأسيافنا...
!!!!!!!
وكأنه يقول لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).. لا يهمك من اكتشاف أمرنا.. فلو أردت أن نقاتل الآلاف المؤلفة من أهل منًى المشركين لفعلنا..!!
الله أكبر ..!!
انظر كيف فقه (العباس بن عبادة) .. معنى الطاعة لله ولرسوله.. وفقه معنى البذل والفداء وفقه معنى الجهاد في سبيل الله..
أليس هو الذي كان يوضح للأنصار أثناء البيعة .. فيحذرهم ويقول .. إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ؟!!!
وها هو الفعل يصدق القول.. مع أن (القتال في مِنًى) لم يكن من الأمور التي بايع عليها الأنصار فلقد بايعوا على حمايته ونصرته (صلى الله عليه وسلم).. في المدينة المنورة.. أما وهو في مكة فلم يتفق على حرب بها.. ولكن (العباس بن عبادة) .. مشتاق إلى الثمن .. مشتاق إلى الجنة ..
فبماذا رد عليه (صلى الله عليه وسلم)؟
لقد قال في وضوح... "لم أؤمر بذلك"..
وهذا هو فقه الموازنات وفقه الواقع فلو تقاتل الأنصار الآن مع المشركين ..فلا شك أنهم سيبادون عن آخرهم... صحيح أنهم شهداء .. لكن اين الدولة ؟!!
وأين الدعوة؟
وأين التخطيط لنصر وتمكين وسيادة هذا الدين؟ ..
لقد رأى (صلى الله عليه وسلم)..أن الزمان ليس مناسبا والمكان ليس مناسبا.. فالحرب لم تكن مدروسة .. إضافة أنه لم يأمره الله بذلك الآن..
بعد أن سمع الأنصار صوت الشيطان .. وأمرهم (صلى الله عليه وسلم) بالرحيل .. عادوا بالفعل مسرعين إلى رحالهم ودخلوا في فراشهم دون أن يدري بهم أقاربهم وأصحابهم من مشركي الوفد.. وناموا معهم بقية الليل.. وكأن شيئا لم يكن..
ثم جاء الصباح.. وقد سمع أهل قريش بخبر اجتماع الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأناس من الوفد اليثربي.. فاجتمع زعماء قريش وكوَّنوا وفدًا عال المستوى وذهبوا يخاطبون رئاسة الوفد اليثربي .. والمتمثلة في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المشرك...
فقالوا.. يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حيٍّ من العرب أبغض إلينا .. من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم..
ما شاء الله .. طريقة دبلوماسية جدا ..! مقدمة بالود .. والعاطفة .. والرجاء .. لكنها أخفت انذار بالحرب .. في ظرف مغلف بالحرير .. !!
وهنا ... هبَّ مشركو يثرب يدافعون عن أنفسهم فهم لا يدرون شيئا عن البيعة .. فقد تمت في سرية تامة..
لذلك قام الوفد اليثربي قائلا .. نحلف بالله ما كان من شيء.. وما علمناه..
فذهب المشركون من قريش إلى (عبد الله بن أبي بن سلول) زعيم الوفد اليثربي
فقام يقول في حميَّة.. هذا باطل.. وما كان هذا.. وما كان قومي ليفتاتوا عليَّ مثل هذا.. لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني..!
لكن .. ياترى ... ماذا كان موقف الأنصار مما يحدث؟!! لقد نظر بعضهم إلى بعض في صمت وكأنهم لا يعرفون شيئا..
بل حاول (كعب بن مالك) رضي الله عنه .. أن يخرج بالحوار عن هذا الموضوع حتى يشغل قريش ويلطف الموقف فنظر إلى (الحارث بن هشام بن المغيرة) أحد ممثلي وفد قريش .. وهو أخو (أبي جهل) لعنه الله.. وكان يلبس نعلين جديدين..!
فقام (كعب) مخاطبا أنصاري آخر يخفي إسلامه (عبد الله بن حرام)..
وهو يقول.. يا أبا جابر.. أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا.. نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟!!!!
فسمعها الحارث.. فخلع نعليه ورمى بهما إلى (كعب بن مالك)..
وقال: والله لتنتعلهما..
فقال (أبو جابر).. أحفظت والله الفتى.. فاردد عليه نعليه..
فقال (كعب بن مالك).. والله لا أردهما.
علما أن (كعب بن مالك) من أغنياء يثرب لكن كان له نظرتان في هذا الأمر فهو من جانب يريد أن يشغل قريش عن أمر الأنصار المسلمين.. ومن جانب آخر فإن (كعب بن مالك).. قد استبشر بامتلاك شيء من ممتلكات المشركين
وقال.. والله لئن صدق الفأل لأسلبنَّه...
أي لو صدق الذي تفاءلت به .. ليأتين يوم نحارب فيه المشركين وننتصر عليهم ونسلب ممتلكاتهم..
وسبحان الله....!
مرت الأيام وجاءت بدر واشترك (كعب بن مالك) في الغزوة وانتصر وجمع الغنائم.. واشترك (الحارث بن هشام بن المغيرة) في بدر أيضا .. وخسر أملاكه فاستلبه المسلمون بل وفقد أخاه أبا جهل في الموقعة وصدق الفأل الحسن الذي ظنه (كعب).. وتأخر إسلام (الحارث بن هشام) إلى فتح مكة ..حيث أسلم وحسن إسلامه..
المهم في هذا الموقف .. أن المشركين من قريش اقتنعوا برد الوفد اليثربي وعادوا دون إحداث أية مشاكل معهم.. لكن عندما قام المشركون ببعض التحريات .. علموا منها أنه كان بالوفد اليثربي مسلمون..بل وعرفوا أسماء بعض منهم..
فأسرع كفارُ قريشٍ إليهم ليدركوهم.. فوجدوا أن الحجيج قد نفروا فأسرعوا وراءهم ..فرأوا عن بعد (سعد بن عبادة) و (والمنذر بن عمرو).. وهما من النقباء فطاردوهما فاستطاع (المنذر) أن يهرب.. لكنهم أمسكوا (بسعد) سيد الخزرج .. فقيدوه بالحبال وربطوا يده على عنقه وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجذبونه من شعره ..حتى أعادوه إلى مكة..
وهذا موقف خطير فلقد أوذي الزعيم الخزرجي المؤمن في الله إيذاء شديدا.. وهو الزعيم الذي لم يُهَن في حياته قط.. و ها هو يقيد ويضرب ويُجرُّ على الأرض.. والمسلمون في مكة ينظرون إلى أخيهم المؤمن .. وهو يُضرب ولا يستطيعون حراكا .. وكذلك فعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. لأنهم لو تحركوا له لأثبتوا حدوث البيعة واللقاء ..
وإلا لماذا يدافع المسلمون عن رجل من الخزرج؟
فالموقف حرج للغاية..
الأمر الآخر .. أنه لو عاد الأنصار لنجدة (سعد بن عبادة)..فستكون مهلكة وهم كانوا بالفعل يستعدون للعودة إنقاذا لأخيهم ونقيبهم وزعيمهم.. ولو حدث قتال ..فإنه قد تفنى الطائفة التي قد تغير من خريطة العالم..!
ولكن لطف ربك لشديد ....
ففي هذا الموقف الخطير .. يخرج (جبير بن المطعم بن عدي)..و(الحارث بن حرب بن أمية أخو أبي سفيان) وهما من المشركين .. يخرجان فيريان الموقف...فيسرعان إلى (سعد بن عبادة) ويجيرانه من كفار قريش لأنه كان يجير لهما قوافلهما عند المرور بيثرب..
وهكذا أنقذت القوانين المكية (سعد).. ولم يجد أحد من المسلمين في ذلك غضاضة.. لأنه كان إنقاذا غير مشروط.. فـ (سعد) استفاد من قوانين المجتمع المشرك .. دون أن يتنازل عن شيء من دينه وعقيدته..
بل أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) نفسه.. قد دخل في جوار (المطعم بن عديّ) وهو مشرك..
وهكذا .. مكر الله لنجاح خطة رسوله (صلى الله عليه وسلم) وصحبه ..
وعاد (سعد) لى قافلته.. ومرت الأحداث بسلام.. ووصل الأنصار إلى المدينة وبدءوا يمهدون الوضع هناك لاستقبال خير البرية وسيد البشر..
شخصيا هذا ما أبحث عنه لاراية ولاإمارة ولاشيء فقط صحبة وأخوة ثم إستشهاد
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق السبت 07 يونيو 2014, 10:04 | |
| فقد روى الترمذي ..أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال وهو يخاطب جابرًا:
"أَفَلا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟" فَقَالَ جَابِرٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) : "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، تُحْيِينِي، فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ". قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
هوعبد الله بن عمرو بن حرام | |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| |
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق الأحد 08 يونيو 2014, 08:06 | |
| هجرة المسلمين إلى يثرب
بعد أن نجحت بيعة العقبة الثانية وأصبح الأنصار يمثلون عددا لا بأس به في المدينة المنورة.. و وافقوا أن يستقبلوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. وأن يحموه مما يحمون منه نساءهم وأبناءهم وأموالهم.. بعد كل هذه الأمور العظيمة ... جاء الوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. يأذن له بفتح باب الهجرة لأصحابه إلى المدينة المنوّرة...
كل من يستطيع أن يهاجر ..فليهاجر بل يجب أن يهاجر.. الضعفاء والأقوياء.. الفقراء والأغنياء.. الرجال والنساء.. الأحرار والعبيد.. الكل يهاجر إلى المدينة..
هناك مشروع ضخم سيُبنى على أرض المدينة.. مشروع يحتاج إلى كل طاقات المسلمين مشروع إقامة أمة إسلامية فلا يجب على مسلم القعود عن المشاركة ..
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا)
وفي الحقيقة .. لم تكن الهجرة أمرا سهلا.. فهي ليست الذهاب إلى مكان فيه عقد عمل براتب أعلى .. الهجرة كانت تعني ترك ديارك .. وترك مسكنك الذي هو مُلك لك .. وترك أموالك .. وترك أعمالك .. وترك ذكرياتك ..
الهجرة كانت ذهابا للمجهول... لحياة جديدة لا شك أنها ستكون شاقة... وشاقة جدا..
الهجرة كانت تعني الاستعداد لحرب هائلة.. حرب شاملة... ضد كل المشركين في جزيرة العرب.. بل ضد كل العالمين الحرب التي صورها الصحابي (العباس بن عبادة) الأنصاري .. أنها الاستعداد لحرب الأحمر والأسود من الناس..
الهجرة ليست هروبا ولا فرارا.. بل استعداد ليوم عظيم.. وايام عظيمة.. لذلك عظّمَ الله من أجر المهاجرين
(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ)
وقد صدر الأمر النبوي لجميع المسلمين القادرين علي الهجرة ..أن يهاجروا ولم يبدا (صلى الله عليه وسلم) في الهجرة ..إلا بعد أن هاجر الجميع إلي المدينة لم يكن من همِّه (صلى الله عليه وسلم) أن ينجو بنفسه.. وأن يُؤَمّنَ حاله.. كان كل همّه (صلى الله عليه وسلم) أن يطمئن على حال المسلمين المهاجرين.. كان يتصرف كالربان الذي لا يخرج من سفينته .. إلا بعد اطمئنانه على أن كل الركاب في أمان....
فالقيادة يا أخوان .. ليست نوعا من الترف أو الرفاهية.. القيادة مسئولية... القيادة تضحية... القيادة أمانة...
ومن الملامح المهمة لهجرة الصحابة من مكة إلى المدينة ...
(1) الاهتمام بقضية النية
لماذا تهاجر؟
"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ... وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"
مع أن الهجرة للزواج ليست محرمة ومع أن الهجرة لإصابة الدنيا الحلال ليست محرمة لكن هذه هجرة ... ليست كالهجرة لبناء أمة إسلامية....!
(2) الهجرة لم تكن ..إلا بعد أن أُغلقت أبواب الدعوة تماما في مكة
فأبواب الدعوة قد أغلقت منذ ثلاث سنوات.. بعد موت أبي طالب وموت السيدة خديجة رضي الله عنها.. ومنذ ذلك التاريخ والرسول (صلى الله عليه وسلم) يخطط للهجرة.. وكان من الممكن أن يكون مكان الهجرة مختلفا عن المدينة .. لو آمن وفد بني شيبان ..أو بني حنيفة ..أو بني عامر.. ولكن الله أراد أن تكون الهجرة إلى المدينة المنوّرة.. وقد يكون أحد عوامل الحكمة فيها .. أنه مكتوب في التوراة والإنجيل .. أن نبي آخر الزمان سيقيم في يثرب .. واليهود كانوا يعلمون هذا .. ولذلك كانوا يستوطنونها بانتظار النبي الجديد ..!
(3) الهجرة كانت للجميع ..على خلاف الهجرة إلى الحبشة
الهجرة من مكة إلى المدينة كانت لجميع المسلمين على خلاف الهجرة إلى الحبشة التي كانت لبعض الأفراد دون الآخرين.. والسبب أن طبيعة المكان وظروفه تختلف من الحبشة إلى المدينة.. فالمسلمون الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا يريدون حفظ أنفسهم في مكان آمن .. حتى لا يُستأصل الإسلام بالكلية فيما لو تعرض المسلمون في مكة للإبادة.. ولم يكن الغرض هو إقامة حكومة إسلامية في الحبشة.. بل كان المسلمون مجرد لاجئين إلى ملك عادل..
أما الهجرة إلى المدينة فكان الغرض منها إقامة دولة إسلامية .. تكون المدينة هي المركز الرئيسي لها.
لكن .. لماذا تصلح المدينة لإقامة الأمة الإسلامية ..ولا تصلح الحبشة؟
إن هذا ليس راجعا إلى عامل البعد عن مكة .. واختلاف اللغة واختلاف التقاليد فقط.. وإن كانت هذه عوامل مهمة لكن الاختلاف الرئيسي .. هو أن الاعتماد في الحبشة كان على رجل واحد هو النجاشي.. الملك الذي لا يظلم عنده أحد فإذا مات هذا الرجل أو خلع ..فإن المسلمين سيصبحون في خطر عظيم وقد كاد أن يحدث ذلك ودارت حرب أهلية كاد النجاشي فيها يفقد ملكه..
أما في المدينة المنوّرة.. فالهجرة لم تكن تعتمد على رجل معين.. بل تعتمد على شعب المدينة...أهل المدينة.. أنصار المدينة الجو العام في المدينة أصبح محبا للإسلام.. أو على الأقل أصبح قابلاً للفكرة الإسلامية..
(4) الهجرة لم تكن عشوائية
بل كانت بأمر القيادة إلى مكان معين.. وهذا الذي أدى إلى نجاح الهجرة.. وقيام الأمة.. أما أن يهاجر فلان إلى مكان كذا.. ويهاجر آخر إلى مكان كذا.. ويتفرق المسلمون.. فهذا وإن كان يكتب نجاة مؤقتة للأفراد ..إلا أنه لا يقيم أمة.. وعلى المسلمين الفارين بدينهم من ظلم ما.. أن يفقهوا هذا الأمر جيدا..
ولقد أصدر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمره إلى المؤمنين بمكة .. أن يهاجروا جميعا إلى المدينة المنوّرة.. فخرج المسلمون أفرادا وجماعات إلى هناك.. وبدأت المدينة المنورة تستقبل المهاجرين الذين فروا بدينهم من مكة..
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق الأحد 08 يونيو 2014, 08:07 | |
| قصص المهاجرين
سنحكي لكم هنا .. بعضا من قصص أولئك المهاجرين ..
قصة هجرة آل سلمة
كان (أبو سلمة بن عبد الأسد) رضي الله عنه .. من أوائل من هاجر.. كما كان من أوائل من أسلم وكان هو وزوجته (أم سلمة) رضي الله عنها من قبيلة واحدة ..هي قبيلة بني مخزوم ومع الشرف والمكانة والوضع الاجتماعي ..إلا أنهم تركوا كل ذلك وانطلقوا إلى المدينة المنورة..
ولكن بعد أن خرج الرجل وزوجته وابنهما سلمة ..لحق بهم أهل زوجته .. وقالوا لأبي سلمة.. هذه نفسك غلبتنا عليها.. أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نَتركك تسير بها في البلاد؟ ..
فغلبوه على زوجته فأخذوها... وبالطبع ترك معها ابنهما سلمة.. ثم انطلق هو وحيدًا إلى المدينة المنورة امتثالاً لأمر الهجرة إلى هناك...
أما السيدة (أم سلمة) رضي الله عنها فبعد أن هاجر زوجها ..جاء إليها أقارب زوجها ومع أنهم من نفس القبيلة (قبيلة بني مخزوم).. إلا أنهم قالوا.. لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا...
وجاء أهل (أم سلمة) يدافعون عن الغلام الصغير فأخذ الفريقان يتجاذبان الغلام حتى أصابوه بخلع في يده ثم أخذه في النهاية أقارب أبوه.. وتركوا (أم سلمة) وحيدة في مكة..
بقيت بمفردها تحمل في قلبها كل هذه الآلام فكانت (رضي الله عنها) تخرج كل يوم إلى الأبطح .. حيث المكان الذي شهد مأساة التفريق بينها وبين زوجها وابنها.. وتظل تبكي من الصباح إلى المساء... ثم تعود إلى بيتها آخر الليل.. وظلت تفعل ذلك كل يوم...
أ تدرون كم بقيت على هذه الحالة الأليمة؟!
لقد ظلت سنة كاملة ..أو قريبا من سنة...
آلام رهيبة تحملتها السيدة العظيمة أم سلمة وآلام رهيبة تحملها زوجها الجليل أبو سلمة وهو في ديار الغربة وحيدا وآلام رهيبة تحملها الطفل الصغير سلمة وهو معزول عن والديه لا لشيء ..إلا لأنهما آمنا بالله رب العالمين لكن هذا هو الطريق الطبيعي للجنة.. وهذه هي الأثمان التي تشترى بها هذه الجنة..
وبعد عام رقَّ قلبُ رجل من بني عمها لحالها فذهب إلى أهلها وقال لهم.. ألا تطلقون هذه المسكينة.. فرّقتم بينها وبين زوجها وولدها..
وما زال بهم حتى قبلوا ثم ذهبت إلى أهل زوجها.. فلما علموا أنها ستذهب إلى زوجها أعطوها الغلام.. ورأت ابنها واحتضنته بشده بعد عام من الفراق.. ثم ما استطاعت صبرا على فراق زوجها.. ولم تنتظر أن يتوفر لها صحبة آمنة إلى المدينة.. لذلك .. أخذت ابنها سلمة.. وانطلقت به بمفردها إلى المدينة.. والمسافة تقترب من 500 كم... وهي تقطع كل هذه الصحراء في سبيل الله...
وخرجت السيدة الكريمة (أم سلمة) مع ابنها تسرع في خطواتها إلى دار الهجرة.. لكن الله الرحيم بعباده ..سخر لها من يأخذ بها في صحبة آمنة من مكة إلى المدينة.. سخر لها جنديًّا من جنوده..
(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ)
فلقد سخر لها رجلا مشركا... سبحان الله! إذ رآها (عثمان بن طلحة).. وهي بالتنعيم على مسافة حوالي 5 كم ..
فقال لها.. إلى أين؟
فقالت: أريد زوجي في المدينة..
قال: أو معك أحد؟
قالت: لا والله.. إلا الله ثم ابني هذا..
فتحركت النخوة في قلب الرجل المشرك وأظهر مروءة عالية وقال لها.. والله لا أتركك أبدا حتى تبلغي المدينة..! ثم أخذ بخطام ناقتها .. وانطلق يسحبها إلى المدينة ...وهو يسير على قدميه.!!
تصوروا يا أخوان .. 500 كم ... و(عثمان بن طلحة) يسير على قدميه .. ليصل بامرأة وحيدة من مكة إلى المدينة.. وهو لا يرتبط معها بصلة قرابة.. بل هي وزوجها على دين يكرهه ويحاربه لكنها النخوة والمروءة..
ولما وصلوا إلى قباء قال عثمان لـ (أم سلمة).. زوجك في هذه القرية.. فادخليها على بركة الله..!
فدخلت السيدة (أم سلمة) إلى المدينة.. وعاد (عثمان بن طلحة) إلى مكة ماشيا ... دون أن ينتظر كلمة شكر أو ثناء ..من زوج (أم سلمة).. أو من أحد من المسلمين....
والحمد لله ...أن الله قد منّ عليه بالإسلام في العام السابع من الهجرة وإلا كنا قد حزنا حزنا كبيرا .. على بقاء مثل هذه الأخلاق الرفيعة في معسكر الكافرين.!!
هجرة صهيب بن سنان الرومي
لم يكن (صهيب بن سنان) من أهل مكة.. ولم تكن له قبيلة تمنعه.. وكان يعمل بصناعة السيوف وكانت هذه الصناعة تدر عليه مالا وفيرا..
ثم جاء القرار بالهجرة فقرر (صهيب) رضي الله عنه .. أن يترك تجارته ويتجه إلى المدينة ليبدأ حياة جديدة هناك..
وعند خروجه ...وقف له زعماء الكفر بمكة..
فقالوا له.. أتيتنا صعلوكا حقيرا.. فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت.. ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك...
هنا . فكر (صهيب).. يقول في نفسه .. ما قيمة المال ولو كان مال الدنيا.. إن خالفت أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟! أو إن أنا تخلفت عن صحبة المؤمنين ؟! أو إن أنا تركت العمل لله ؟! ..
و وجد (صهيب) ..أن الثمن الذي سيدفعه زهيد للغاية .. بالقياس إلى ما سيحصله.. فلم يكن اختبارا صعبا عليه ..
فقال لهم... أرأيتم إن جعلت لكم مالي.. أ تخلون سبيلي؟!
هكذا في بساطة... يترك كل ثروته... وكل تعب السنين السابقة! وبالطبع .. سال لعابهم لثروة صهيب الطائلة... نعم... قال (صهيب).. فإني قد جعلت لكم مالي..
ثم أعطاهم كل ما يملك وهاجر إلى الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) وسمع (صلى الله عليه وسلم) ما فعل (صهيب) .. فقال ..
"ربح صهيب ... ربح صهيب"
ولما رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. (صهيبا).. قال مبشرا ومهنئا.. "ربح البيع أبا يحيى .. ربح البيع أبا يحيى"
وفيه وفي أمثاله .. نزل قول الله عز وجل ..
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)
قصة هجرة عمر بن الخطاب
هي قصة مختلفة جدا عن هجرة بقية الصحابة.. لأنهم كانوا يهاجرون سرا .. بينما هاجر (عمر بن الخطاب) جهرا .. !
إذ وقف (عمر) في المسجد الحرام ..
وقال بصوت مرتفع.. يا معشر قريش.. من أراد أن تثكله أمه.. أو يُيَتَّم ولده.. أو تُرمّل زوجته ...فليلقني وراء هذا الوادي....!
قال هذا الكلام وهو متقلّد سيفه وفي يده الأخرى عدة أسهم.. فلم يخرج خلفه أحد..!
وهنا نطرح سؤال ..
لماذا هاجر (عمر بن الخطاب) جهرا .. بينما هاجر الرسول (صلى الله عليه وسلم) سرا ؟!!!
الواقع ...أن رسول الله مشرِّع وسوف يتبعه في طريقته عموم المسلمين .. سواء في زمان مكة ..أو في الأزمان التي ستلي ذلك إلى يوم القيامة وعموم المسلمين لا يطيقون ما فعله (عمر) .. وليس مطلوبا منهم ذلك.. إنما المطلوب هو الحذر والاحتياط والأخذ بالأسباب الكاملة ..لضمان سلامة الهجرة..
فعملية الهجرة في حد ذاتها ليست هدفا إنما الهدف هو الوصول إلى المدينة لإقامة الدولة هناك.. ولو خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) علانية.. لأصبح لزاما على كل المسلمين أن يخرجوا علانية.. وهذا ليس من الحكمة...!
كما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم ينكر على (عمر) هجرته .. ولقد كانت هذه الطريقة وسيلة من وسائل إرهاب أهل الباطل قام بها الذي يملك من البأس والقدرة ما يرهب به أعداء الله...
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ)
وقد وقعت الرهبة فعلاً في قلوب الكافرين فلم يخرج خلفَ عمر أحد.. بل أكثر من ذلك ...إذ هاجر مع (عمر) 20 من ضعفاء الصحابة وما استطاع أحد من المشركين أن يقترب منهم..
وصدق (عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه .. حين قال .. "إن إسلام عمر كان فتحا.. وإن هجرته كانت نصرا... وإن إمارته كانت رحمة"
هجرة عياش بن أبي ربيعة
كان (عياش بن أبي ربيعة) رضي الله عنه .. ممن هاجر مع (عمر بن الخطاب) .. و(عياش) .. هو أخو (أبي جهل) من أمه..
وبعد أن وصل (عياش) إلى المدينة ..علم (أبو جهل) بهجرته...
فماذا فعل أبو جهل؟!
لقد أخذ أخاهم الثالث (الحارث بن هشام) ..وانطلق إلى المدينة المنورة.. سفر بعيد ... 500 كم .. وعملية خطرة .. ومجازفة كبيرة.. وبذل ومجهود وعرق ووقت...
(إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ)
وصل (أبو جهل) إلى قباء .. والتقى بأخيه (عياش) .. في وجود (عمر بن الخطاب)..
قال أبو جهل.. إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط.. ولا تستظل بشمس حتى تراك...
فرقَّ لها (عياش).. وكان بارا جدا بأمه...
فقال له (عمر بن الخطاب).. يا عياش.. إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم فوالله لو آذى أمك القمل لامتشطت.. ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت..
فقال عياش (وقد خُدِع بكلام أخويه)... أبرُّ أمي.. ولي مال هناك آخذه.
قال (عمر).. خذ نصف مالي ولا تذهب معهما...
ولكن أبى (عياش) ..إلا أن يعود ..ليبرّ قسم أمه..
فقال له (عمر).. أما إذا قد فعلت ما فعلت ..فخذ ناقتي هذه..فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها.. فإن رابك من القوم ريب ..فأنجُ عليها...
وخرج (عياش) وأخواه (أبو جهل والحارث بن هشام) إلى مكة.. حتى إذا ابتعدوا عن المدينة ..دبر الأخوان الكافران خدعة .. وأمسكا بعياش وقيداه بالحبال ودخلوا به مكة موثقا.. ثم قالا لأهل مكة.... يا أهل مكة... هكذا فافعلوا بسفهائكم.. كما فعلنا بسفيهنا هذا...
وحُبِس (عياش) ... ولم ينجُ إلا بعد أن أرسل له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحد الصحابة وهو الوليد بن الوليد لإنقاذه ... | |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق الأحد 08 يونيو 2014, 08:08 | |
| قريش تقرر قتل رسول الله
لم تكن هجرة الصحابة غائبة عن أعين قريش التي كانت ترقب الموقف على وجل وكانت تُفاجأ كل يوم بهجرة رجل أو رجلين أو عائلة.. بل إن بعض الفروع من القبائل قد هاجرت بكاملها..
ثم خلت كثير من ديار مكة من سكانها وأثر ذلك في قريش وزعمائه فما منهم من أحد إلا وله قريب أو ابن مهاجر .. فمزقهم ذلك .. بين الحب الفطري لأبنائهم وأقاربهم.. وبين كراهيتهم وتغيظهم على هذا الدين..
ولم يكن يخفى على قريش .. أن الهجرة تمت إلى المدينة المنورة.. بدليل ذهاب (أبي جهل) لإرجاع أخيه (عياش).. ولم تكن هجرة المؤمنين راحةً لمشركي مكة.. لأن المشركون يدركون .. أنه بعدما تتهيأ الدولة الإسلامية في المدينة المنورة .. فأنه ولا شك .. سيعود المسلمون إلى مكة ليحكموها ..
لذلك .. كان المشركون في أشد حالات اضطرابهم وقلقهم.. أضف إلى ذلك علم أهل قريش ببأس الأوس والخزرج وأنهم من أهل القتال .. وأن المدينة حصينة جدا.. وأن المدينة تقع على طريق القوافل التجارية لأهل قريش والمتجهة من وإلى الشام ومن ثم ..فإن المدينة تستطيع أن تخنق مكة اقتصاديا.. خاصة لوعلمنا .. أن مكة كانت تتاجر بربع مليون دينار من الذهب سنويا مع الشام في رحلة الشتاء...
وفوق كل ذلك ... تبقى هناك طامة كبرى .. فماذا لو آمنَ اليهود ؟! ماذا لو انضمت قوتهم إلى قوة المسلمين؟!
كل هذه الأمور .. جعلت أهل قريش في حيرة من أمرهم وكان الوقت يمر سريعا .. لكن زعماء قريش كانوا يدركون أيضا ..أن ساعة الصفر هذه .. لن تكون إلا بعد أن يهاجر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة المنورة.. ويوحد صفوفه.. ويجهز جيوشه.. ثم يأتي من جديد إلى مكة..
إذن فحجر الزاوية في الموضوع ...هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. والوسيلة الوحيدة لوقف خطر المؤمنين .. هي السيطرة عليه (صلى الله عليه وسلم).. لكن كيف ذلك .. و (محمد) من بني هاشم القبيلة العزيزة الشريفة؟!
فقررت قريش ومشركي مكة .. من عقد اجتماع عاجل لكبار الزعماء لتدارس الأمر.. وكان الاجتماع في دار الندوة.. في يوم الخميس .. 26 صفر .. من السنة الرابعة للبعثة ..
وكان الاجتماع طارئ.. حضره ممثلون عن كل القبائل القرشية عدا بني هاشم.. منهم ..(أبو جهل) .. (شيبة وعتبة أبناء ربيعة) .. (وأبو سفيان بن حرب) .. (النضر بن الحارث) .. (أبو البختري بن هشام عن بني أسد) .. (أمية بن خلف عن بني جمح) (جبير بن مطعم) .. (نبيه ومنبه ابنا الحجاج).. وهناك آخرون .. لكن جميعهم من قريش..
تم الاجتماع الآثم.. وبدأت الأفكار الإجرامية تخرج من زعماء قريش.. وتُطرح للمداولة.. منهم من اقترح أن يقيدوه في بيته بالحبال.. فلا يستطيع هجرة ولا حراكًا.. ومنهم من اقترح نفيه خارج مكة إلى مكان بعيد..
لكن كانت هناك طائفة ..أشد إجراما .. فقال رجل من هذه الطائفة (لعله أبو جهل)... لا بد من قتل هذا الرجل..
ووافقت هذه الفكرة هوى عندهم .. فقلوبهم السوداء كانت تحترق غيظا وحسدا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. لكن لم يكن عندهم الشجاعة للنطق بمثل هذا الرأي.. فهم يخشون من بني هاشم..
فاقترح عليهم الرجل فكرة شيطانية .. هي أن يختاروا من كل قبيلة في مكة ..شابا قويا.. فيحاصرون بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. ثم يضربونه ضربة رجل واحد.. فيتفرق دمه بين القبائل ولا تجد بنو هاشم أمامها حلاً ..إلا قبول الدية في قتلها.. فليست لهم طاقة بحرب كل القبائل...
فصوَّت الحاضرون على القرار.. وسألهم أبو جهل... موافقون؟!
قالوا.. موافقون.
وخرج زعماء قريش ينتقون من قبائلهم ... العناصر التي ستقوم بتنفيذ العملية الإرهابية لاغتيال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| |
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق الأحد 08 يونيو 2014, 08:18 | |
| الهــــجرة
ولقد وصل المشركون إلى بيته (صلى الله عليه وسلم).. وعشرات السيوف تحيط بالبيت .. والقرار ليس الحبس والمحاكمة...بل لقد صدر الحكم فعلا بالقتل... وهم قد جاءوا للتنفيذ..
فماذا يفعل (صلى الله عليه وسلم) في هذا الموقف الحرج ؟!
لقد نزل الوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يطمئنه ويأمره بالخروج وسط المشركين دون خوف ولا وجل فسوف يأخذ الله بأبصارهم..
وخرج الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذه الليلة المباركة.. ليلة 27 من صفر سنة 14 من النبوة وهو يقرأ صدر سورة (يس).. من أولها إلى قوله
(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}
وإمعانا في السخرية من المشركين.. أخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حفنة من التراب ووضع جزءا منها على رأس كل مشرك يحاصر بيته.. وهم لا يشعرون..
ثم انطلق إلى بيت (أبا بكر) لاستكمال تنفيذ الخطة فهي بحمد الله إلى الآن... تسير على ما يرام.
وتأمل ...
كان من الممكن أن يخرج (صلى الله عليه وسلم) من البيت قبل قدوم المشركين لكن الله أراد ذلك لإثبات أن الأمر كله بيد الله وأنه دون توفيق الله ...لا يتمّ أمر من الأمور وأيضا ظهرت المعجزة الظاهرة في نصرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وعلى الناحية الأخرى .. كان من الممكن أن يأخذ الله أبصار المشركين من قبل هذه الحادثة .. فلا يقع على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي أذى طيلة حياته لكن هذا لم يحدث..
فلقد أُلقي على ظهره سلا الجزور ورحم الشاة وسُبّ بأفظع الألفاظ، ورجم بالحجارة في الطائف وأصيب في أُحُد أكثر من إصابة.. ليُعلّم الله المسلمين طبيعة الطريق.. فطريق المسلم فيه كثير من الإيذاء.. ليكون الأمر واضحا كمعجزة مع الأنبياء.. وحتى مع المؤمنين غير الأنبياء ..
(إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)
ولنكمل القصة ..
ترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المشركين يحاصرون البيت وفيه عليّ بن أبي طالب ... رضي الله عنه.. وانطلق إلى بيت أبي بكر.. ومكث عنده إلى منتصف الليل ثم خرجا من الخوخة الخلفية في البيت.. واتجها جنوبا إلى غار ثور... ووصلا إليه بالفعل واستكشف (أبو بكر) الغار أولا... ليرى إن كان به أي شيء يضرّ فلما وجده آمنا ..دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الغار وتم الجزء الأول من الخطة بنجاح....
نعود إلى بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..والمشركون يحاصرونه و (علي) نائم بداخله... فبينما هم على هذه الحالة.. مرّ عليهم رجل من المشركين لم يكن معهم فقال لهم قولا خطيرا..
قال ... ماذا تنتظرون هنا؟
قالوا...محمدا..
قال.. خيَّبَكم الله.. قد والله خرج عليكم محمد...
إذن الرجل شاهد محمدا (صلى الله عليه وسلم) في مكان آخر فمع كل الاحتياط والحذر .. إلا أن هناك رجلا لمح محمدا (صلى الله عليه وسلم) وهو في طريق الهجرة و يبدو أنه لم يكن يعلم بتخطيط قريش ...فلم يأبه لرؤيته..
فلما سمع القوم ذلك انزعجوا وزاد من انزعاجهم التراب الذي وجدوه على رءوسهم في إشارة واضحة إلى أنه مرّ عليهم فلم يشاهدوه.. وفي هذا معجزة ظاهرة..
فقام المشركون بسرعة ينظرون من ثقب الباب و وجدوا عليًّا ينام في الفراش ...وهو يتغطّى ببردة النبي (صلى الله عليه وسلم).. فقالوا.. والله إن هذا لمحمدٌ نائما..
فتحير القوم فقام فيهم من يقترح أن يقتحموا البيت على هذا النائم لكن اعترض معظمهم على ذلك..
أتدرون لماذا؟!!
لقد قالوا... والله إنها لسُبَّة في العرب .. أن يُتحدثَ عنا أنْ تسورنا الحيطان على بنات العمِ..وهتكنا سترَ حرمتنا...!!!!
سبحان الله... كفار مكة لا يهتكون ستر البيوت.. ولا يقتحمون حرمات الديار... يذكروننا بقوات الأمن التابعة لحكامنا اليوم ... !
لذلك .. انتظر المشركون إلى الصباح ..حتى قام عليا من فراشه فرآه القوم.. وأسقط في أيديهم.. وأمسكوه يجرونه إلى البيت الحرام ويضربونه...
وهنا نشاهد الموقف الحكيم من (علي) .. وكان يبلغ آنذاك 23 عاما..إنه لم يرُد الضرب بالضرب.. مع كونه فتى عزيزا.. وفارسا مغوارا.. بل تحلى بالصبر... وتجمل بالحلم...
لماذا ؟!
(1) لم يؤذن بعد للمسلمين في القتال إلى هذه اللحظة..
(2) سيهلك لامحالة بسبب غياب كل المسلمين تقريبا..واجتماع كل المشركين على بني هاشم.
(3) عليه مهمة عظيمة لم يقم بها بعد.. وهي رد الأمانات إلى أهلها ولا بد أن يحافظ على نفسه حتى يقوم بهذه المهمة...
أخذ المشركون (عليا) وحبسوه ساعة واحدة.. لم يحبسوه شهرا أو عاما أو أعواما... إنما ساعة واحدة فقط.. ثم أطلقوه فمكث (عليا) في مكة ثلاثة أيام يرد الأمانات إلى أهلها ثم انطلق مهاجرا إلى المدينة المنوّرة فورا..
فماذا فعلت قريش عندما اكتشفوا خروج الرسول (صلى الله عليه وسلم) من مكة؟
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق الأحد 08 يونيو 2014, 08:20 | |
| قريش تعلن حالة الطوارئ
أعلنت حالة الطوارئ القصوى في مكة.. استنفار عام لكل العناصر المشركة.. واتخذت السلطة في مكة القرارات الآتية..
القرار الأول
مداهمة منزل (أبي بكر) المتهم بصحبة زعيم المسلمين (محمد) صلى الله عليه وسلم .. والذي كان يتولى شئون الإنفاق على المسلمين.. فمن المحتمل أن يكون (محمدا) صلى الله عليه وسلم معه في بيته مختبئا .. أو لعله (صلى الله عليه وسلم) هاجر بمفرده.. وأبو بكر يعرف طريقه.. فلا بد من التأكد من ذلك.. وقد قام بهذه المهمة (أبو جهل) بنفسه ومعه فرقة من المشركين.. ذهب إلى بيت الصديق وطرق الباب بشدة.. وفتحت السيدة (أسماء) الباب ..
فقال لها في غلظة... أين أبوك يا بنت أبي بكر؟
قالت.. لا أدري...
فرفع (أبو جهل) يده ولطم خدها حتى أطار قرطها ...! فعلة شنيعة من سيد مكة.. لكنه لم يفكر أن يدخل البيت ليقلب محتوياته رأسا على عقب.. ليفتش عن الصديق أو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. أو ليجد أي دليل يشير إلى مكانهما.. لماذا لم يفعل ذلك ... لأن كفار مكة لا يهتكون حرمات البيوت....!
إذن القرار الأول .. كان البحث عن (أبي بكر) ..
القرار الثاني
هو إحكام المراقبة المسلحة على كل مداخل ومخارج مكة فلعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما زال مختبئا في أحد بيوتها..
القرار الثالث
إعلان جائزة كبرى لمن يأتي برسول الله (صلى الله عليه وسلم).. أو بصاحبه (أبي بكر) .. تُعطَى الجائزة لمن يأتي بأحدهما حيا أو ميتا.. والجائزة هي مائة ناقة.. وهذا رقم هائل في ذلك الزمن...
القرار الرابع
استخدام قصاصي الأثر لمحاولة تتبع آثار الأقدام ..في كل الطرق الخارجة من مكّة.
| |
|
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| |
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| |
| |
المغربي المراقبون
عدد المساهمات : 1622 تاريخ التسجيل : 27/01/2014
| موضوع: رد: سيرة سيد الخلق الأحد 08 يونيو 2014, 08:32 | |
| خيمة أم معبد
بعد أن أنطلق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والثلاثة الذين معه .. صاحبه (أبو بكر) .. و مولى أبو بكر (عامر بن فهيرة) .. والدليل (أريقط) .. مروا بطريقهم على خيمة (أم معبد الخزاعية)... وكانت امرأة برزة جلدة ..تحتبي بفناء القبة ...ثم تُسقي وتُطعم .. فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها.. فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك..
فنظر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى شاة في كسر الخيمة
فقال... "ما هذه الشاة يا أم معبد ؟"..
قالت.. شاة خلفها الجهد عن الغنم
قال... "هل بها من لبن ؟"
قالت... هي أجهد من ذلك
قال... "أتأذنين لي أن أحلبها؟"
قالت.. نعم بأبي أنت وأمي.. إن رأيت بها حلبا فاحلبها..
فدعا بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فمسح بيده ضرعها وسمى الله ..ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجّا حتى علاه البهاء ثم سقاها حتى رويت ...(انظر خُلُقه صلى الله عليه وسلم) ثم سقى أصحابه حتى رووا... وشرب هو آخرهم .. (صلى الله عليه وسلم).. ثم أراحوا ثم حلب ثانيا فيها بعد ذلك حتى ملأ الإناء.. ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها...
هنا وقفة .. فالرجل مطارد .. ومطلوب للقتل .. لكن لديه من السكينة .. ليحلب شاة ً ... سبحان الله... !
فلما لبثت حتى جاء زوجها (أبو معبد) يسوق أعنزا عجافا هزالا.. ولما رأى أبو معبد اللبن ...تعجب ..
وقال... من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب حيال ولا حلوب في البيت؟
قالت.. لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا
قال.. صفيه لي يا أم معبد.
قالت..
"رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة... مبتلج (مشرق) الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة (ضخامة البطن) ولم تزر به صعلة (لم يشنه صغر الرأس) وسيم قسيم.. في عينيه دعج... وفي أشفاره وطف (طويل شعر الأجفان) وفي صوته صحل (رخيم الصوت) أحور أكحل أرج أقرن شديد سواد الشعر في عنقه سطح (ارتفاع وطول) وفي لحيته كثافة إذا صمت فعليه الوقار... وإذا تكلم سما وعلاه البهاء وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن.. حلو المنطق فصل لا نذر ولا هذر (لا ثرثرة في كلامه) أجهر الناس وأجملهم من بعيد.. وأحلاهم وأحسنهم من قريب ربعة (وسط ما بين الطول والقصر) لا تشنؤه (تبغضه) من طول ولا تقتحمه عين (تحتقره) من قصر غصن بين غصنين.. فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له رفقاء يخصون به إذا قال استمعوا لقوله.. وإذا أمر تبادروا إلى أمره محفود (يسرع أصحابه في طاعته) محشود (يحتشد الناس حوله) لا عابث ولا منفذ (غير مخزف في الكلام)"
قال أبو معبد.. هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة ولقد هممتُ أن أصحبه و لأفعلن إن وجدتُ إلى ذلك سبيلا..
ولقد أتت بعد ذلك (أم معبد) للمدينة .. ومعها ابن صغير قد بلغ السعي.. وقد أسلمت هي وعائلتها ولله الحمد ..
ونكمل رحلتنا .. فلقد اقترب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من المدينة المنورة ففوجئ برجل اسمه (بُرَيْدَة بن الحصيب) زعيم قبيلة (أسلم).. قد خرج له في 70 من قومه يريد الإمساك به (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ليحصل على المكافأة الكبيرة.. لكن الرسول العظيم (صلى الله عليه وسلم) ..وقف يعرض عليه الإسلام في هدوء وسكينة.. فوقعت كلمات الرحمن في قلب (بريدة) وأصحابه ..فآمنوا جميعا في لحظة واحدة وكانوا في أول اليوم من المشركين ..فأصبحوا في آخره من الصحابة..! فانظر إلى عظيم فضل الله عليهم وعلى الدعوة..
وأيضا .. تدبر في فعله (صلى الله عليه وسلم).. هو مُطارد .. ولكنه يستغل حتى هذه الرحلة الخطرة ..فيدعو إلى الله ..!
| |
|
| |
| سيرة سيد الخلق | |
|